"شرط الانتقال" المتعثر.. إنك لا تختار وزراءك مرتين

لم تسمح الأحزاب للكاظمي بإقحام الشارع في حكومته (Getty)

قيل الكثير في التشكيلة الحكومية لمصطفى الكاظمي التي اكتملت مؤخرًا بعد أن صوّت مجلس النواب على وزاراتها السبع الشاغرة في سبع دقائق، وهو المؤشر الأكبر على عمق المحاصصة وأسبقية التوافق على "شكليات" البرلمان الديمقراطية. وهنا، لا نريد إعادة ما كُتِب بإسهاب بقدر لفت النظر لبعض الملاحظات مع أمثلة للتوثيق.

بحسابات النظام البرلماني تتحمل الأحزاب السياسية وتحديدًا التي تدّعي الكِفاح من أجل السيادة مسؤولية إعادة تكليف فؤاد حسين من جديد 

جرى حديث مع تكليف الكاظمي بتشكيل الوزارة عن إبقاء وزير الصحة في الحكومة المستقيلة جعفر علاوي بمنصبه لاعتبارات مواجهة جائحة كورونا، وأبدى الأخير بحسب متابعتي حماسة للاستمرار مع تعهدات عامّة فيما يخص مجال عمله؛ لكن قوائم المرشحين المتغيّرة لم تحمل اسمه، فغادر منصبه بعد التصويت على بديل في الدفعة الأولى من حكومة الكاظمي التي نال من خلالها ثقة البرلمان.

اقرأ/ي أيضًا: معضلة النظام العراقي وأزماته.. انتهت حلول الأرض؟

لسنا بصدد تفضيله على الوزير الجديد، لكن تركه للمنصب لم يُحدث جلبة إلا عند بعض المعلّقين في صفحات التواصل الاجتماعي بعد ارتفاع نسبة الإصابات بفيروس كورونا لاحقًا، والسبب في رأيي هو انتسابه لحكومة تحمّلت ما جرى قبل وفي انتفاضة تشرين. هذا من جهة المواطن/المحتج، أما سبب عدم تكليفه مرة أخرى من جهة السلطة فليس للانتساب السابق كما أثبتت الأيام اللاحقة، بل لأسباب أخرى ربما أهمها تفضيله للإجراءات الوقائية العامّة على "زعل" الآخرين، والواضح من التجربة أن هذا الزعل تحديدًا قد يُقصيك من الوزارة سواء أكنت في معركة عسكرية طاحنة كما حدث عام 2016، أو في رأس الحربة لمواجهة جائحة مثل كورونا، فضلًا عن كونك وزيرًا للنقل مثلًا.

ترافق حديثُ إعادة تكليف وزير الصحة مع إصرار كردي على إعادة تكليف فؤاد حسين، سكرتير مسعود بارزاني الذي أصبح وزيرًا للمالية ونائبًا لرئيس الوزراء عبد المهدي. ومع رفض من بعض القوى السياسية بحجة عدم تدوير وزراء الحكومة المستقيلة بفعل الانتفاضة، وضرورة أن تكون هناك "مسطرة" في تعامل الرئيس المكلف مع الأحزاب، ذهبت وزارة المالية بعيدًا عن فؤاد.

 لكن المفاجئة أن فؤاد هذا ـ المتهم بإفلاس الوسط والجنوب ـ من قِبل نواب وبالأرقام والإحصائيات، والذي لا يُخفي نوازعه التي تعتبر العراق دولة عدو لإقليم كردستان، لم يتخذ طريق وزير الصحة وزملائه إلى التقاعد بعد عامٍ من الفشل الذريع للحكومة المستقيلة، بل سلّم حقيبة المالية باليمنى ليتسلّم وزارة الخارجية باليسرى، مع صمت مطبق من كتل سياسية تدّعي المقاومة وأخرى تدافع عن حق "المكون الشيعي".

بحسابات المنطق والنظام البرلماني تتحمل الأحزاب السياسية وتحديدًا التي تدّعي الكِفاح من أجل السيادة مسؤولية إعادة تكليف فؤاد من جديد رغم ترشيحه من رئيس الوزراء بضغط كردي، لسبب بسيط: أنهم أسقطوا بالتصويت العديد من المرشحين الذين طرحهم الكاظمي بعد تكليفه. لذا فأن التوصيف الذي يختصر ما حدث دون تأويلات زائدة هو "إصرار وخضوع". إصرار البارتي على مرشحهم وخضوع القوى العربية، التي تدافع منها عن الدولة والسيادة في الإعلام.

يبدو للوهلة الأولى أن الكاظمي خَرج من الحرج بدفعه الكرة إلى ملعب القوى السياسية في مجلس النواب للتصويت لصالح بقاء الكرة أو ركلها خارج الملعب، وقد وصف أحد النواب هذه الخطوة عشية جلسة التصويت على الوزارات الشاغرة بـ"الشطارة"؛ لكن الأمور في السياسة لا تسير بهذا الاتجاه السطحي. فالانطباع الأول الذي يتكون لدى الناس حول رئيس الوزراء يتأثر مباشرةً بالفريق الذي يعمل معه والمحيط به. يقول ميكافيللي عن الأمير الجديد إنه "يصير عرضة للنقد لأن أول خطأ ارتكبه تجسّد في سوء اختياره لوزرائه"، وربما أن سوء اختياره لوزرائه نتيجة سوء اختياره لمحيطه، والله أعلم.

لأننا في صدد الحديث عن علاقة الكاظمي بالقوى السياسية المكوّنة لمجلس النواب من جهة، والشارع الذي يترقب حكومة ما بعد انتفاضة تشرين، تجدر الإشارة إلى أن الأحزاب الكبيرة لم تسمح لرئيس الوزراء ـ رغم تصريحاتها بإطلاق يده في الاختيار ـ بتسمية وزير واحد قريب من الحركة الاحتجاجية بعد أن قطعت الطريق على اثنين قبل طرحهما على المجلس، وأسقطت مرشحًا لم ينل مزاجها في البرلمان.

إشراك من هُم خارج النظام فكرًا قد يخدم العملية السياسية، لناحية إثبات أنها قابلة للإصلاح والاستجابة لضغط الشارع واحتواء الجميع

لا أظن أن وجود وزراء قريبين من الاحتجاجات سيُحدث طفرةً في العملية السياسية. ستكون النتائج "معنوية" في حالة فشل أو نجاح الوزير/المتظاهر وسيعطي وجوده انطباعات معينة للناس وللأحزاب ذاتها، لكن الأخيرة لا تريد أن يقتحم غرفة عملياتها أحدٌ من خارج بيت العملية السياسية ـ وإن كان ذلك يخدم النظام ـ ، والخارج هنا بالأفكار وليس بالمكان. خارج الصندوق وليس خارج الدائرة السلطوية.

اقرأ/ي أيضًا: الكاظمي "الشاطر" رشحه ونواب رفضوه.. هل يمر من يعتبر العراق عدوًا؟

وهذه مناسبة للقول إن ما يفصل بين الداخل والخارج هو الشروط التي يأتي من خلالها المرشح والطريق الذي يمر عبره إلى الوزارة أو غيرها. إن الذي يُرشَّح أو يوافق على تسلم منصب في الحكومة بذات الشروط التي اعتادت عليها الأحزاب ثم يقول إنه جاء ليُصلح ما أفسده الدهر لا يتعدى الاحتمالات الثلاثة: إما أنه يكذب، أو لا يعرف كيف تُدار الوزارات، أو يعتقد بنفسه مصلحًا خارقًا سيتغلب على المشكلات التي لم يتغلب عليها أسلافه.

وفي حال تغيرت الشروط التي جاء من خلالها وترجّحت كفته مع الأخذ بنوايا الإصلاح، يعني أن الأحزاب تنازلت عن جزء أو كل من شروطها لصالح شروطه، وهنا فقط يُمكن النقاش حول فائدة المشاركة في الحكومة من قبل القوى الشعبية المعارضة لنظام المحاصصة من عدمها. هنا تجد معنى للتفاوض بين القوى الإصلاحية والنظام.

قلت إن إشراك من هُم خارج النظام فكرًا قد يخدم العملية السياسية، لناحية إثبات أنها قابلة للإصلاح والاستجابة لضغط الشارع واحتواء الجميع، والبدء بعملية تطبيع حقيقية مع المجتمع. كان دخول الحركة الاحتجاجية إلى الحكومة سيثير البلبلة بين صفوف الأولى، ويقلل من النظرة الدونية اتجاه من يشترك مع تلك الأحزاب في العمل السياسي، لكن الأخيرة تفضل الشعور بالدونية والمصلحة المادية على إدخال من يشعرون بالعار من العملية السياسية إليها، كطرف فاعل في اللعبة. بمزاجيات طفولية يبرهن قادة الأحزاب أنهم لا يُصلحون إلا بـ"الشلع قلع"!

عودٌ على بدء، لم تسمح الأحزاب للكاظمي بإقحام الشارع في حكومته رغم أنها جاءت بعد انتفاضة شعبية، كما لم تسمح له بتسمية أحد أصدقائه وزيرًا له، ومررت وزيرًا بارزانيًا عليه ملفات استجواب في حكومة مستقيلة بأمر المتظاهرين، رغم الوضع المريح للكاظمي بعد نيله الثقة، وإمكانية ممارسة ضغط أكبر لانتقاء وزرائه، وخلاصة ذلك أن المسؤول الأول عن هذا الفشل هو الكاظمي نفسه.

 لم تسمح الأحزاب للكاظمي بإقحام الشارع في حكومته رغم أنها جاءت بعد انتفاضة شعبية ومررت وزيرًا بارزانيًا عليه ملفات استجواب في حكومة مستقيلة بأمر المتظاهرين

لا ينتظر أحدٌ أن تُبادر الأحزاب إلى إصلاح ذاتها بذاتها أو تؤشر على حسن نواياها طواعيةً؛ لكن الشارع ينتظر من رئيس الوزراء الجديد غير المعروف على الساحة الشعبية من قبل أن يُظهر قدراته على الإصلاح في حكومة يفترض أنها انتقالية، وهو الدرس الأول الذي أخفق فيه الكاظمي.

إنك لا تختار وزرائك في الحكومة مرتين. مع الاعتذار لهرقليطس.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الكاظمي وتصفير العدّاد.. مقاربات وملفات واحتمالات

بين مينيسوتا وتشرين.. توقّفات وتساؤلات