لماذ لم تثمر احتجاجات العراق شيئًا؟

لماذ لم تثمر احتجاجات العراق شيئًا؟

تظاهرات في العراق للمطالبة بإقالة الفاسدين (فيسبوك)

في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 صفعت شرطية، المواطن التونسي محمد البوعزيزي على وجهه، بعد أنْ صادرت عربته، التي كان يبيع فيها الفواكه والخضار، وعللت فعلها هذا من أنه لا يسمح للباعة المتجولين بالتجارة في مثل هذه الأماكن، وصرخت بوجه محمد البوعزيزي "ارحل" فما كان منه إلا أنْ احتج أمام مقر البلدية، وعندما لم يستجب لصرخاته أحد ما، قام بإضرام النار في نفسه أمام مقرّها بعد أنْ جُرحت كرامته وتقلصت خياراته بالوجود. تحول محمد البوعزيزي إلى أيقونة الثورة التونسية التي أطاحت بأكبر رؤوس النظام، ليصبح فيما بعد الشرارة التي انطلقت منها ثورات "الربيع العربي" وتحوّلت الكلمة التي صرخت بها الشرطية في وجهه إلى شعار ثورة لشعب بأكمله طلبًا للكرامة ورفضًا للفساد.

أحداث كثيرة مشابهة لما قام به الشهيد محمد البوعزيزي وغيره حصلت في العراق لكنها لم تخلق الأثر الذي خلقته حادثة البوعزيزي

ثمة أحداث كثيرة مشابهة لما قام به الشهيد محمد البوعزيزي وغيره من الذين جعلوا موتهم حياة لشعوبهم، حصلت في العراق، لكنها لم تخلق الأثر الذي خلقته حادثة البوعزيزي.

 أدرك تمامًا أنه ثمة فرقًا بين الشعبين العراقي والتونسي من حيث الظروف السياسية وإرث الدولة ومنهجها، بالإضافة إلى فرق الزمان والمكان والتاريخ، لكن هذا لا يجعلنا نغض الطرف عن أسباب الركود الشعبي في العراق على الرغم من حوادث الظلم والانتهاكات التي حصلت من قبل رموز السلطة نتيجة لإهمالهم وتقصيرهم، فضلًا عن زجهم لآلاف الشباب في ميادين الموت لغايات شتى كلها تصب في مصالحهم ومصالح الدول التي يدينون لها بالولاء ويقدمون لها فروض الطاعة. أعرف أنّ سبر غور هذا الموضوع يتطلب الكثير، لكنها على كل حال محاولة لا أكثر للبحث عن الأسباب التي تجعل الشعب العراقي يدور في حلقة الموت والظلم اليومية دون أنْ يحصل في بلده مثلما يحصل في بلدان العالم، والتي تنتفض شعوبها وتقول كلمتها إذا ما تعرضت إلى القليل  مما تعرض إليه الشعب العراقي خلال حكوماته المتعاقبة، وربما يفتح سؤال: لماذا المظالم والاحتجاجات في العراق لم تثمر إلى الآن شيئًا يعتد به؟

اقرأ/ي أيضًا: شرط الدولة المفقود عراقيًا

 لعل من أهم هذه الأسباب أن العراقيين ألفوا الموت، ولم يعد تهمهم أخباره بعد أن عاشوه بكل أشكاله من قتل وحرق وغرق واغتيال، فقد صار العراق مسرحًا للأوبئة المميتة كالطاعون منذ عهد الدولة العثمانية، إذ كانت تجتاحه بين الحين والآخر. ينقل الدكتور علي الوردي عن المبشر الإنجليزي (غروفز) والذي كان يسكن بغداد سنة 1831، قوله، إنّ "عدد الموتى أخذ يتزايد يومًا بعد يوم حتى بلغ تسعة آلاف في اليوم الواحد... إنّ الموت قد أصبح مألوفًا بحيث أنّ الناس صاروا يدفنون أقرب الناس إليهم من دون اكتراث يُعتد به كما لو كانوا يقومون بعمل اعتيادي".

بالإضافة إلى الموت الذي أطبق بكل أسنانه بعد الأحداث المتوالية الانقلابات، حروب صدام العبثية التي لا يزال أثرها إلى اليوم ماثلًا أمامنا، وصولًا إلى الاحتلال والحروب الطائفية، فبعد تفجير ضريح الإماميين العسكريين في سامراء في 22شباط/فبراير 2006 قتل في بغداد وحدها نحو 3200 مدنيًا نتيجة للحرب الطائفية التي احتدمت آنذاك وأخذت تنتج لنا نظريات من قبيل نظرية 7×7 للنائبة في البرلمان العراقي حنان الفتلاوي والتي فحواها أن "قتل سبعة أشخاص من الشيعة يجب أن يقابله قتل سبعة من السنة". 

ولم ينته مسلسل الموت هذا، حيث جاءت حروب داعش، وأخيرًا كواتم المليشيات، فكل هذه الأحداث جعلت من العراقيين يحسبون الموت أمرًا اعتياديًا ولم تعد تهزهم سماع أنبائه، لقد صار ضيفًا مألوفًا لديهم، يطرق أبوابهم بين اليوم والآخر. بالتالي لا نتوقع من أنْ يقوم شخص بإضرام النار في نفسه احتجاجًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتحصل ثورة شاملة مثلما حصل في تونس أو غيرها من الدول، فقد حصل ما يشابه ذلك في العراق خصوصًا في الجنوب لكنها لم تؤثر إلا في وكالات الأخبار التي تنقل هذا الحدث وما يشابهه ببرود أعصاب وعدم اكتراث.

 إنّ أسوأ ما نتج عن حقب الظلم والويلات التي عاشها العراقيون أنهم عدوا أمر الموت والقتل طقوسًا اعتيادية تمارس عليهم بين الحين والآخر، ولم تعد تحرك فيهم الكثير، هذا بالإضافة إلى أنّ العراقيين وكنتيجة عن نظام المحاصصة، عاشوا حالات التشظي وضياع الهوية فإذا قُتل ناشط أو محتج أو صاحب رأي أو قلم ضاع دمه بين القبائل كما يعبرون، ويبقى السؤال المعلق من قتله هل السلطة، أم الميليشيات، أم العصابات.. إلى آخره، وهل هو ينتمي إلى هذه الجهة أم تلك وتتعدد الخيارات التي تكون كفيلة بضياع دمه دون تشخيص الفاعل الحقيقي!

أسوأ ما نتج عن حقب الظلم والويلات التي عاشها العراقيون أنهم عدوا أمر الموت والقتل طقوسًا اعتيادية تمارس عليهم بين الحين والآخر

يقول الكاتب السوري ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان" إنه "لا يمكن للقمع أو الإرهاب المدني المنفلت أنْ يظل سائدًا، إلا إذا ساندته سلطة ما، سلطة تهيمن على المجتمع (أو الجماعة) كله لكي تحمي الجلادين الذين يعملون لما تراه مصلحتها، ولكي تسكت أصوات الاحتجاج على القمع، ثم تزينه بأنه من الضرورات ومما لا بدّ منه ومن هذه السلطات سلطة السلاح أو العصابة، أو العشيرة، أو الطائفة، أو الدين، أو الدولة".

التلويح بفزاعة البعث مرة والإرهاب مرة أخرى!

ثمة أمور لوح بها أقطاب السياسة آنذاك في فترة عراق ما بعد 2003 لكي يشغلوا الناس عن الفشل الذي لصق بهم في إدارة الدولة وعجزهم عن توفير الأمن للمواطنين، ودخل معهم على الخط رجال الدين الذين لهم أثرهم في المجتمع العراقي وهو التلويح برجوع حزب البعث إلى الحكم أو هيمنة الإرهاب على الدولة فكانوا يطبقون معهم المثل "الخوف من الموت يرضي بالحمى"، فداعش والبعث أصبحتا شماعتان يتستر فيهما أمراء الطوائف ويخفون عيوبهم، ويعلقون فيها كل أسباب فشلهم، وبالتالي يكسبون إغلاق أفواه الناس عن المطالبة بحقوقهم ويرضون بالوضع الذي هم فيه، بعد تعاون رجل الدين والسلطة على تطبيق هذه السياسة التي فيها المنافع للطرفين ودخل معهم في هذه السياسة مؤخرًا شيوخ العشائر وبعض الكهول الذين ما أنْ دخلوا ثورة حتى أفسدوها.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا فعل "شيعة السلطة"؟

ومن البديهيات أنّ رجال السلطة يدركون خطورة رجال الدين والعشائر في تحشيد الجماهير وقيادتها عن طريق العصبية القبلية والنصوص الدينية التي تسيرهم، فعملوا على اجتذابهم عن طريق توفير المناصب التي يحلمون بها ويغدقون عليهم الهدايا ويوفرون لهم الامتيازات ولحواشيهم، ويتأتى دور هذا الثنائي في تذويب مشاعر الغضب ووأد الاحتجاجات، إما عن طريق تقديم الحلول السطحية أو الوعود التي لا تنفذ بعد أن صاروا الواسطة بين الجماهير والسلطة وبحسب ما يقول لينين إن "الطبقات الحاكمة كلها تحتاج من أجل الحفاظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين هما الجلاد والكاهن". لكن دور هذا الثنائي بدأ يتقلص ويتداعى منذ تظاهرات البصرة التي انطلقت في 8 تموز/يوليو 2018، حيث قام المتظاهرون بطرد رجال الدين الذين تربطهم صلات وثيقة بالسلطة من ساحات الاحتجاج، بالإضافة إلى رفضهم وساطة شيوخ العشائر فصاروا يرفعون شعار "أيها المعمم طهر نفسك قبل السياسي"!.

كما أن حشدًا كبيرًا من الذين ينزلون إلى ساحات الاحتجاج يمثلون جماهير الكيانات السياسية الفاعلة في الدولة وهم يأتمرون وينتهون بأمر قائدهم الديني أو السياسي الذي يزجهم في فم الموت ويخرجهم منه حسب مزاجه، فهم يستطيعون بكل بساطة أن يضغطوا على ممثليهم داخل قبة البرلمان وينفذون مطالبهم وتوفير كل احتياجاتهم المشروعة.. إن وجود مثل هؤلاء في ساحات الاحتجاج أخذ يثير الشك في أذهان أغلب الناس من أن "التظاهرات مسيسة"، لحزب ضد آخر منافس، وتعززت هذه الشكوك حتى وصلت إلى القناعة بعد حرق مقرات الأحزاب في بعض المحافظات، إذ أن بعض المقرات تعرضت إلى الحرق بشكل كامل وأخرى لم يمسها سوء، وهذه الأفعال ساهمت بشكل كبير في تذويب التظاهرات وإطفاء جذوتها دون تحقيق مطالب مرجوة.

لطم وبكاء ومهرجانات

ربما من أكبر الفجائع التي حلت في العراق خلال السنوات الماضية هي فاجعة سبايكر والتي حصلت بتاريخ 12حزيران/يونيو 2014، إذ قام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بأسر (2200- 2000) طالبًا في القوة الجوية العراقية وقادوهم إلى القصور الرئاسية في تكريت، وقاموا بقتلهم هناك وفي مناطق أخرى رميًا بالرصاص ودفنوا بعض منهم وهم أحياء. المسؤول الأول عن هذه الفاجعة هو رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي حيث جعل من إرسال الشباب إلى هذا المكان وبهذا العدد نوع من الدعاية الانتخابية له ولبعض المنضوين تحت راية حزبه، فهو مكان وبحسب القاضي رحيم العكَيلي لا مبرر عسكري لوجودهم فيه. فعلى الرغم من تورطه بهذه الجريمة وبشكل غير قابل للشك إلا أنه تمكن من تذويب أثرها في نفوس أغلب الناس عن طريق عقد المهرجانات، ومجالس العزاء والتي تكون بحضوره بالإضافة إلى إغداق الأموال على عوائل الضحايا لتنطوي هذه الجريمة طي النسيان من سجل جرائمه العامر.

 فاجعة أخرى أيضًا ذابت من نفوس الناس، وهي فاجعة مجمع الليث حيث وقع انفجار بتاريخ 6 تموز/يوليو 2016 عشية العيد في مجمع الليث الذي يقع في الكرادة الشرقية ببغداد، وراح ضحية هذا الانفجار أكثر من 424 شخصًا بين أطفال ونساء وجرح 250 آخرين، أعرب العراقيون عن غضبهم واستياءهم من السلطة السياسية، التي عجزت عن توفير أوجب واجباتها وهو حماية أرواح المواطنين وبث الطمأنينة في ربوع البلاد.

جعل نوري المالكي من إرسال الشباب إلى "سبايكر" وبهذا العدد نوع من الدعاية الانتخابية له ولبعض المنضوين تحت راية حزبه

 تعرض على أثرها  موكب رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي إلى الرمي بالأحذية وعلب الماء الفارغة وطرد على أثرها من موقع الحادثة واستمرت جذوة الغضب مشتعلة في قلوب العراقيين وتوقع الكثير أن تتخذ إجراءات من شأنها محاسبة المقصرين وتقديمهم للعدالة، لكن ما ان دخل الروزخونية "وعاظ السلاطين كما يسميهم الدكتور علي الوري"، وعقدوا هناك مجالس اللطم والبكاء حتى تغير كل شيء وصار المسؤول المستهتر بأرواح الناس يلطم صدره إلى جانب ذوي الضحايا الذين علقوا ما حل بهم على حبل القضاء والقدر وهكذا ينتفي ما ترسب في ذواتهم من مشاعر الغضب والانتقام!.

وسائل اخرى

ومن الأمور الأخرى التي تحنط إرادة العراقيين من تحقيق مطالبهم المشروعة، هو إيمانهم بنظرية المؤامرة، فهم يعدون أنّ ما يجري عليهم مؤامرة كونية تدار من قبل منظمات عالمية، يصيبها الخوف والهلع ما أنْ ترى العراق مستقرًا وآمنًا وينعم أبناءه بالهدوء والراحة! بالتالي يعتقدون أن المسؤول يتحمل ما فوق طاقته في ظل هذه المؤامرات، التي تحاك خلف الأبواب المغلقة، وهذه الرؤية تشكلت ايضًا من قبل الخطاب الديني والذي هو مفصّل بالتمام على شكل السلطة ومقاسها! بالإضافة إلى خوفهم من الانقلابات التي عاصروا بعضها فاخذ بريق الأمل بالتغيير يتضاءل في عيونهم ومن هنا صاروا يرددون المثل الشائع (كل انقلاب يحمل معه بذرة نقيضه).

اقرأ/ي أيضًا: سوق "المحاصصة الأمريكية" في بلادنا

ومن الأسباب الأخرى هي ضعف الوعي السياسي لدى شريحة كبيرة من أبناء المجتمع، فبعضهم يطالب المسؤول وكأنه متفضل عليه ويعامله من منطلق الارتباط العشائري والمذهبي، متناسين تمامًا أنهم سبب وصوله إلى هذا المكان وهم أصحاب الفضل الأول والأخير، والقادرين على خلعه من منصبه إذا حصل من قبله أي تقصير، وهذا الوعي السياسي ربما يبقى على حاله إذا ما تغيرت الظروف والعوامل التي شكلته، من رموز  الذين يبثون خطابهم من مختلف الجهات والأمكنة بالإضافة إلى سياسة أغلب المسؤولين اليوم في العراق حيث يستخدمون سياسة التجويع والحرمان ويلوحون لجماهيرهم بأقراص الخبز وفق يافطة العيش مقابل الولاء.

لذلك يحدد أرسطو عدة نقاط في كيفية محافظة السلطة الفاسدة على الحكم ومن بينها:

تدمير المواطنين وزرع الشك وانعدام الثقة فيما بينهم، وجعلهم يعجزون عن أي شيء وبذلك تعويد الناس على الخسة والضعة والعيش بلا  كرامة، بحيث يسهل عليهم أن يعتادوا على الذل والهوان.
القضاء على البارزين من الرجال.
منع التجمعات.
إغراء المواطنين بأن يشي بعضهم ببعض.
إفقار المواطنين، حتى ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم فلا يجدون عندهم من الوقت ما يتمكنون من التآمر على السلطة.

هذه الظروف والعوامل ما لم تتغيّر لن يحصل أي شيء، لو أحرق ألف شخص مثل محمد البوعزيزي نفسه أمام أعلى مسؤول بالدولة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماذا سنروي عن "الديمقراطية العراقية"؟

الحلم العراقي.. من الاستبداد إلى المحاصصة!