23-يناير-2021

استهدف نحو 20 محلًا من خلال وضع العبوات الناسفة في الآونة الأخيرة (Getty)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

منذ نحو ثلاثة أشهر بدأ استهداف محال بيع المشروبات الروحية بتواتر أسبوعي تقريبًا في العاصمة بغداد، وهو الأمر الذي أعاد مشاهد سنوات 2006 وما تلاها، والتي كانت الجماعات المسلحة تحول ليل بغداد إلى ساحة للرعب والخوف من الخروج والدخول، إذ اُستهدف نحو 20 محلًا من خلال وضع العبوات الناسفة في الأشهر الأخيرة، وتبنت بعض المجاميع المسلحة بما تعرف بـ"فصائل الظل" الهجمات، متوعدة بالمزيد.

تبنت بعض الجماعات المسلحة استهداف محال المشروبات الكحولية في بغداد

لأكثر من ساعة يبحث حسن علي وأصدقائه ليلًا في بغداد عن محل لبيع المشروبات الروحية دون جدوى، جميع المحال أُغلقت أبوابها حتى التي اعتاد أصحابها البقاء للصباح، وبعد جولات من البحث وجد حسن مخزنًا صغيرًا يفتح العامل منه نافذة صغيرة بتخفي بعد حصوله على إشارة الأمان من زميله الواقف عند الواجهة، بسرعة واستعجال اشترى حسن ما يريد وبأسعار مضاعفة.

وهو يبتسم تهكمًا، تحدث علي لـ"ألترا عراق"، قائلًا "تخيل أن ينبوع الكحول الذي لا ينضب يُغلق قبل الساعة العشرة ويبقى القلّة يبيعون بالسر"، في إشارة منه إلى (البتاوين) المنطقة التي تصنف على أنها المصدر الرئيسي للممنوعات. يقول حسن إن "البتاويين لم تغلق أبوابها حتى في المناسبات الدينية، لكنها هذه الأيام مغلقة أيضًا".

اقرأ/ي أيضًا: خمر مجاني وفتيات: كم تدفع بارات بغداد وملاهيها للحشد والشرطة؟

ويضيف علي: "في ليلة رأس السنة من الأعوام السابقة كان المواطنون يقفون بطوابير طويلة لشراء المشروبات الكحولية، خاصة مع قدوم الشباب من المحافظات الممنوعة فيها المتاجرة، لكن في ليلة رأس هذه السنة لم نجد علبة "بيرة" واحدة بعد الساعة العاشرة".

من جهة أخرى، يعتقد "ز.أ"، أن "بعض الهجمات تنفذها عصابات الجريمة المنظمة بدفع من تجار منافسين في السوق استغلوا الهجمات التي تبنتها الجماعات المسلحة، مرجحًا أن "بعض الهجمات تنفذها جماعات مسلحة نتيجة صراع نفوذ مع جماعات أخرى، أو تكون تنبيهًا لمن يتلكأ في دفع الأتاوة المفروضة عليه".

ويعضّد "ز.أ"، رأيه بتبني الجماعات المسلحة بعض الهجمات، فيما تبقى أخرى دون تبني من أي جهة، وكانت مجموعة تطلق على نفسها اسم "أهل المعروف" تبنت المسؤولية عن انفجار حدث في منطقة باب المعظم، وانفجار آخر مماثل في منطقة الأعظمية، بحسب بيانات نشرت على منصات في موقع "تيليغرام"، وهي مجموعة بدأ نشاطها مع ظهور مجموعات أخرى على المنصة نفسها، مثل "أهل الكهف"، و"أبو جداحة" وجماعة "ربع الله".

وأضاف "ز.أ" لـ"ألترا عراق" وهو صاحب محل بيع المشروبات الروحية رفض الكشف عن اسمه لأسباب قال إنها تتعلق بالخوف من "أهل العبوات الناسفة"، أن "هذه الظروف أربكت سوق العمل من حيث البيع وحرية المواطن في الشراء، إذ يخاف كثيرون الوصول إلى المحال من الاستهداف في لحظة وجودهم"، مشيرًا إلى أن "خدمة التوصيل نشطت خلال هذه الفترة لما توفره من أمان للزبائن، لكنهم يتحملون أجورًا إضافية".

إزاء ذلك، شهدت الفترة الأخيرة إغلاق محال بيع الكحول عند الساعة العاشرة مساءً، حتى محال منطقة البتاوين المعروفة بخروجها عن السياقات والتعليمات الإدارية، ويدور السؤال حول سب هذا الإجراء، فبالرغم من كونه أسلوبًا متبعًا في الكثير من البلدان، خاصة محافظات الإقليم، لكن التوقيت بالتزامن مع العبوات يثير الاستغراب، وفقًا لصاحب متجر للكحول في منطقة الكرادة، وسط بغداد.

يثير استهداف محال المشروبات الروحية بـ"العبوات الناسفة" المخاوف من تعاظم سطوة الجماعة المسلحة، وتحييد الحريات الشخصية والقضاء على التنوع الاجتماعي في بغداد

وتواصل فريق "ألترا عراق"، مع أمانة بغداد التي قال مدير عام فيها رفض الكشف عن اسمه لـ"حساسية الموضوع" بحسب تعبيره، إن "هذا الإجراء ضمن صلاحيات وزارة الثقافة والسياحة الآثار"، فيما رفض المسؤولون في الوزارة الحديث عن الموضوع.

اقرأ/ي أيضًا: شرب الخمر "جريمة" في جنوب العراق.. مزاج "الخصوصيات" فوق الدستور!

من جهته، يعزو بائع المشروبات ما يحدث لـ"فوضى الإدارة، وتداخل الجهات الرقابية"، فهو "وزملائه لا يعرفون الجهة المباشرة التي يتعاملون معها، إذ يتلقون سلسلة تعليمات وضغوطات من جهات عديدة رسمية وغير رسمية، تقف الأولى مكتوفة الأيدي أمام الأخيرة"، فيما يثير استهداف محال المشروبات الروحية ـ وفقًا لعديدين ـ مخاوف الشارع من تعاظم سطوة الجماعة المسلحة، وتحييد الحريات الشخصية والقضاء على التنوع الاجتماعي للعاصمة بغداد.

وقال طالب الدراسات العليا، سلام جميل، إنه "بالرغم من الفوضى والدمار الذي تعيشه البلاد إلا أن هامش الحرية الذي يتمتع به العراقيون يهون عليهم مرارة أيامهم، ومسألة الخمور والنوادي الليلية لا تخص سكان العاصمة فقط، فمعظم الزبائن يأتون من محافظات الوسط والجنوب نتيجة التقييد الذي تعيشه مدنهم".

وأضاف جميل لـ"ألترا عراق"، أن "المسألة أكبر من قنينة خمر، شخصيًا لا أتناوله، مستدركًا "لكن الأمر يتعلق بفرض نمط جديد على حياة بغداد، ربما يصل إلى التدخل بملابس المواطنين، والمحال التجارية، والأماكن العامة التي تشهد اختلاطًا، لافتًا إلى أنه "أخشى مع مرور الوقت تحول بغداد إلى قندهار".

وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر، اقتحمت مجموعة من حركة تطلق على نفسها "ربع الله" مركزًا للمساج في منطقة الكرادة بالعاصمة العراقية بغداد بعد نحو ساعة من بيان يهدد محلات الخمور والمساج.

وقتها، أشار بيان الحركة إلى "تمادي أصحاب الملاهي والخمور لاستغلال الشاب في تحقيق أهدافهم الخبيثة التي رسمتها لهم أمريكا وإسرائيل". وأظهرت مشاهد مصورة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، عناصر الحركة بملابس سوداء مكتوبة عليها عبارة "ربع الله" وهم ينهالون بالضرب على فتيات داخل مركز المساج وتكسير محتويات المكان، واعتبرت الحركة التي نشرت مقطع الفيديو عن نشاطها أنها "رسالة إلى جميع مراكز الفسوق والدعارة في العراق"، متوعدةً: "نحن لكم بالمرصاد والقادم أعظم".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

طريق الكحول إلى العراق.. تجارة تحكمها ميليشيات دينية وأحزاب سياسية

خمر ونساء وحرية "ضائعة" في المحافظات.. كيف تبدو "لاس فيغاس" العراق بالعيد؟