الصدر بالمقلوب.. هل يمثّل العقائدي الوطني؟

الصدر بالمقلوب.. هل يمثّل العقائدي الوطني؟

تغيّر خاطب مقتدى الصدر كثيرًا بعد 2012 ولجأ نحو الخطاب الوطني خاصة في الاحتجاجات (تويتر)

يتوفر  لمقتدى الصدر شريحة واسعة من الناس تسمعه وتطيعه في كل صغيرة وكبيرة، وأيضًا يعتبر كبيرًا لطبقة سياسية تمثل الأكثرية بالبرلمان في عدد المقاعد ما يجعل صوته مسموعًا عند الكتلة الأكبر، ولا يخفى أن هذه الكتلة وتلك الكتل تمثل طبقات مختلفة من الشعب، ورأيه يخلق نوعًا من وجهات نظر مختلفة نحتاجها عند المقابل. ومن هذا المنطلق، وبعيدًا عن فتح الحوارات الانفعالية أو النبش في الطين القديم، وفي مواقف أخرى وبيانات سابقة غلبت عليها مرحلة بظروف معيّنة. لنسلّم أن الرجل له تأثير مباشر وواقعي، وما أن تخرج الكلمة حتى تجد حركة للركود السياسي أو الاجتماعي الحاصل. ومن هذا الباب، علينا  قبل الانشغال بالتحليل لما يقوله، لننظر إلى ما يمثله الرجل وأي مسؤولية تقع على عاتقه، تجعله يفكر ويخدم الحراك الوطني بـ"الممكن" في سياق الصراع مع قوى المحاصصة.

يتوفر لمقتدى  الصدر شريحة واسعة من الناس تسمعه وتطيعه في كل صغيرة وكبيرة وهي قادرة على أن تحرّك من خلاله الركود السياسي والاجتماعي الذي يحصل بين فترات مختلفة

المشكلة مع مقتدى الصدر، أن التعامل معه يكون دائمًا في سياق المواقف الناتجة عن قناعات قديمة تنطلق من عدة أسباب، بعضها موضوعي، وبعضها تخرج من دوافع انتمائية لا تجد نفسها إلا في الخلافات وإظهار ما يمكن أن يبعد عن العمل بروح الفريق في مسارات التظاهر أو العمل لمطلب وطني ممكن، وهي تزرع خلافات لا تسمن ولا تغني عن جوع، بل تزيد من الترسبات التي تغلق فتحات التدبر وتطمر مكامن التفكير، وهي مواقف "معقدة" تنظر للصدر في سياق ما قاله ميشيل فوكو، إن "السلطة ليست مؤسسة، وليست بنية، كما أنها ليست قوة أكيدة فنحن نتوهم ذلك، وإنما هي ذات تتسم لحالة استراتيجية معقدة في مجتمع معين".

اقرأ/ي أيضًا: الصدر بعصاه.. المدنيون بمحنتهم!

ومع المواقف التي خرجت من الصدر منذ سنوات، نستطيع القول إن هذا الرجل اختلف عن ماضيه وبدأ يخرج عن كونه رجل دين فقط، لينتهج السياسية منطلقًا فيها كواجب أو كتكليف مسؤول ناتج عن تمثيله لشريحة كبيرة أخذت بالتمدّد لتشمل أطياف وألوان المجتمع الذي يعيش فيه، أي المنطلق من منطق الجماعة المنفصلة بحدود دينية وثقافية منعزلة في مسار الانقسام الحاصل ما بعد 2003 إلى الفضاء العام باتجاه وطني بدأ من الاحتجاجات ولم ينته في الأطروحات الانتخابية وعملية تشكيل الحكومة.

لكن الحديث عن الصدر يجب أن يتم الكلام قبله عن توسعية الخطاب لتشكّل العراق والذي ينطلق من مبدأ الهوية. هل طرح بعد 2003 أو قبلها ذلك السؤال المهم: "من نحن حقًا؟"، هل نحن عراقيين في زمن البعث، وفيما ما بعد الغزو الأمريكي؛ هل نحن عرب، كرد، شيعة، سنة؟ هل نحن صدريين أم سيستانيين؟ هل نحن سائرون أم البناء أم المحور الوطني، أم ماذا؟ وهل هذه الأسماء تمثلنا أم تمثل جماعة معيّنة؟ أين هي هويتنا؟

عندما نسافر إلى بلدان أخرى، أكثر سؤال يتم طرحه علينا "من أين انت؟"،  أنا عراقي. لكن ماذا يعني ذلك الجواب بعد أن قُسّم أبناء العراق إلى طوائف وأديان ومكوّنات وفق نظام التوافق، حيث صارت البلاد أشلاءً معبأة بالضغينة والكراهية لقطعها الأخرى. إنه نقاش قصير يتجلى بين أفراد العائلة الواحدة التي فقدت الجامع الوطني والرموز الثقافية الموحدة، لتشهد على ذلك تشقّقات على مستوى الطائفة الواحدة؛ الأب من الفضيلة والأم صدرية والابن من العصائب والبنت مقتدائية. وعلى إثر هذه الانقسامات بدأ من جديد الانقسام المناطقي الجديد وفق إسقاطات سايكولوجية.

مهمة انتشال الهوية وانبعاثها وخلقها من جديد هو يجب أن يكون العمل على آخر ما يمكّننا لإنقاذها من مآلات الاستبداد والاستعمار، ويمكن أن نلاحظ في بيانات مقتدى الصدر، لا سيما الأخيرة التي أخذت تنحى منحى شرق أوسطي عربي، وبالطبع، من غير أن ينسى العراق بل ينهج منهاج سياسي بحت ومن منطلق عقائدي. ومنطلق العقائدي الوطني الذي بدأ يخرج إلى الساحة العراقية بعد داعش في مقابل إيران ودول الجوار هو مفهوم يجب الانتباه إليه من علماء الاجتماع، خاصة أنه كسر قاعدة المحاصصة التي تستثمر التشابهات العقائدية وتحولها إلى ولاءات سياسية، الأمر الذي كسره الصدر في تواصله مع مختلف المحيط العربي.

اقرأ/ي أيضًا: الصدريون في سلامهم وحروبهم.. من الثورة إلى سائرون

من هذا المبدأ، النموذج الذي يُخاطب الآخرين من خلال العراق هو نموذج يتمتع بالصراحة في الأزمات الذي يُعتبر وعلى رأي ـ كيسنجر ـ هو الفصل الأكثر جرأة والأكثر أمانَا في أغلب الأحيان. نموذج يكّون جبهة جديدة لأن يخلق نوع من التوازن الخاص الذي نأمل بأن يتمدد، ويؤسس عضو عراقي على وزن "مثقف عضوي" في العائلة وفي القهوة وفي الشارع، عراقي يتخلى عن العدو الاستراتيجي للذات والذي يشير له فوكو ويسميه بـ"الفاشية"، واسميه الإقصاء السلبي غير الطموح. ربما أن اللغة التي يستخدمها ـ الصدرـ العابرة للحدود في تنحي أمراء الاستبداد في المنطقة والدفاع عن قضايا العرب، أقول ربما إنها تصنع نوعًا من فكر وخطاب إقليمي رسائله تحمل في طياتها "وأننا قادرين على أن نلعب معكم" كعراقيين ولنا آمالنا ومطالبنا وهمومنا في سياق الداخل والخارج.

 الضعف والقوة في صنو السياسية والمصالح يمكن استثمارهما. لا سيما وأننا بذات الخطاب يمكن أن نشهد على مرحلة جديدة عمودها الفقري لاعب بدأ يتخلى عن الطرق التقليدية في اللعب وفي الرؤية ويستخدم أحجارًا لم يتعودوا عليها الحاضرين "نحن وهم"، فطالما الهدف واضح والوسيلة ناجعة تمتاز بالقوة التي تناسب الخصوم أو من الذين يدافعون بطرقهم الوقحة عن مصالحهم.

يؤسس مقتدى الصدر لنوع من خطابة جديدة تخرجنا من الثنائيات أو الاحتكام بالولاءات، وإنما هو يذكّر البحرين وغيرها كسوريا في بيانه الأخير، وفي ذهنه قضية تأسيس بالإضافة إلى عمل حراك وطني خارج عن الأنماط التي صنعتها المحاصصة وتقسيمات عراق ما بعد 2003،  ثيمة تستخدم الأوراق وتستثمر الأحداث، ديدنها هو القول "نحن هنا أيضًا" نعرف مصلحتنا البعيدة عن إيران والسعودية، وليست القريبة من أمريكا حتمًا.

النقاش القصير بين أفراد العائلة الواحدة صار يتجلى فيه الانقسام حيث  فقدت الجامع الوطني والرموز الثقافية الموحدة، لتشهد على ذلك تشقّقات على مستوى الطائفة الواحدة إضافة إلى انقسامات مناطقية أخرى

من خطاب الخصوصية الذي نخلقه نحن عند الضرورة وبعدها يأتي كل شيء إذا ما عرفنا ما هي المصلحة، الوطنية القائمة على الخطاب العراقي غير الخاضع لطائفة أو الاحتكام لدولة خارجية. أولى بداية النهضة من "الانحطاط" هو أن نعرف ما هي مصلحتنا، وأين نحن، حتى يتسنى لنا بعدها أن نبني دولة، وعلى رأي جون لوك حول بناء الدولة، أنها مجموعة من البشر تجتمع أما على أساس "العرق، اللغة، الدين"، أو على المصالح المشتركة. والعراق لا تجمعه سوى المصلحة المشتركة، بحكم تعددية طوائفه وألوانه ولغته، لا سيما في جيل واعد لا يمكن أن تنطلي عليه خدعة الطوائف المقدسة أو مآرب الآخر الملوّنة.  يقول اسبينوزا إذ "يمكن أن يكون الخوف من دون أمل "وهذا  حال الآباء"، ولا يمكن أن يكون الأمل من دون خوف "حال هذا الجيل" الذي ليس له سوى أن يراهن وبلا تردّد فهو يتميز بذلك.  وعلى الجميع أن يقرأ في أطر المصلحة الوطنية لتكوين حراك وطني ربما يسهم في توطين الطوائف والحركات التي تتحرك بآثار الاستبداد والاحتلال دون أي مواجهة واقعية أو اشتباك مع هذه المآلات الخطيرة، أقول لنقرأ الجريدة بالمقلوب هذه المرّة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أشعلت فتليها واشنطن واكتوى ابن سلمان.. أزمة الصدر تهدد مخطط ترامب!

صفحة مقربة من الصدر تسير على خطى البطاط وتهدّد صحفيًا!