"انتقام" الفصائل لمقتل المهندس.. رد عسكري أم تظاهر سلمي؟

لم يحدث أي رد عسكري على القوات الأمريكية بالشكل الذي صورته الفصائل (Getty)

منذ أن استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية أبو مهدي المهندس، والحديث عن ردٍ ضد أمريكا وقواتها ومصالحها كان يأخذ الطابع الحتمي، فيما يدور النقاش حول الطريقة التي سيتم الرد فيها على الضربة الأمريكية.

كان المشيعون لسليماني والمهندس من قادة وأعضاء الفصائل المسلحة والأحزاب الشيعية يتوعدون بالرد المُناسب و"أخذ الثأر" ممن قتل القائدين

أثناء تشييع سليماني والمهندس من بغداد إلى كربلاء والبصرة والنجف كان المشيعون من قادة وأعضاء الفصائل المسلحة والأحزاب الشيعية يتوعدون بالرد المُناسب و"أخذ الثأر" ممن قتل القائدين.

اقرأ/ي أيضًا: القصة الكاملة لاغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد

من جانبه، توعد الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في حفل تأبين لسليماني والمهندس بالقصاص من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، "القواعد العسكرية والبوارج العسكرية، وكل ضابط وجندي في المنطقة". وقال إن "قاسم سليماني ليس شأنًا إيرانيًا بحتًا بل أنه يعني كل محور المقاومة"، بما فيهم الفصائل العراقية.

وقبل أن يوارى سليماني الثرى، فجر الأربعاء، 8 كانون الثاني/يناير، انطلقت عدة صواريخ باليستية، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها "أكثر من 12 صاروخًا"، من داخل الحدود الإيرانية، باتجاه قاعدتي عين الأسد في الأنبار وقاعدة أخرى في أربيل، تتواجد فيهما قوات أمريكية.

فيما قالت قيادة العمليات المشرتكة العراقية إن "22 صاروخًا" سقطوا في العراق واستهدفوا القاعدتين العسكريتين، وتحدث الإعلام الإيراني عن عشرات القتلى الأمريكيين جراء الصواريخ الباليستية، إذ أعلن التلفزيون الإيراني أن "80 عسكريًا أمريكيًا على الأقل قتلوا في الهجمات الصاروخية الإيرانية".

كما أشارت وكالة "فارس نيوز" إلى وقوع 80 قتيلًا على الأقل في صفوف القوات الأمريكية بالقصف الذي قالت الوكالة إنه "أوقع أضرارًا كبيرة" في قاعدة عين الأسد.

وحذّر الحرس الثوري الإيراني، بعد عملية القصف، من ردٍ "أكثر عنفًا وسحقًا" إن ردّت الولايات المتحدة على الهجوم الذي شنّه الحرس على القاعدتين، ناصحًا الشعب الأمريكي بسحب قوات بلاده من المنطقة "منعًا لوقوع المزيد من الخسائر".

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال في مؤتمر صحفي باليوم التالي للقصف داخل البيت الأبيض إن "جنوده لم يتعرضوا للأذى، ولا وجود لخسائر في الأرواح".

كان مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشؤون العامة جوناثان هوفمان قد كشف أن "القاعدتين كانتا في حالة تأهب قصوى نظرًا لوجود مؤشرات تفيد بأن النظام الإيراني يخطط لمهاجمة قواتنا ومصالحنا في المنطقة".

تحدث الرئيس الأمريكي ترامب عن الإصابات التي تعرض لها جنود أمريكيون قائلًا: "سمعت أنهم أصيبوا بالصداع، يمكنني القول إنها إصابات غير خطيرة"

في 12 كانون الثاني/يناير صرح قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي إن "الهدف من الضربات التي شنها الحرس لم يكن قتل جنود العدو في العراق"، مشيرًا إلى أن "الأضرار المادية هدفت فقط إلى القول إننا متفوقون على العدو لدرجة تمكننا من أن نضرب أي هدف نختاره".

فيما بعد، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن 11 مصابًا في صفوف قواتها بالضربة الصاروخية الإيرانية، ثم عادت القيادة مؤخرًا، في 22 كانون الثاني/يناير لتعلن أن "قوات إضافية تم نقلها إلى منشأة طبية أمريكية في ألمانيا بعد قصف إيران لقاعدة عين الأسد".

اقرأ/ي أيضًا: طهران "مكتفية" وواشنطن "راضية": ماذا لو نفذت الفصائل هجومًا "غير متفق عليه"؟

في الأثناء، تحدث الرئيس الأمريكي ترامب عن الإصابات التي تعرض لها جنود أمريكيون قائلًا: "سمعت أنهم أصيبوا بالصداع، يمكنني القول إنها إصابات غير خطيرة".

الفصائل تتوعد: ردنا شامل وبمستوى الإيراني

بعد استهداف القاعدتين في الأنبار وأربيل، قال زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، إن "الرد الإيراني على اغتيال سليماني حصل، الآن وقت الرد العراقي الأولي على اغتيال القائد المهندس".

أضاف الخزعلي: "لأن العراقيين أصحاب شجاعة وغيرة فلن يكون ردهم أقل من حجم الرد الإيراني وهذا وعد".

كانت حركة النجباء قد توعدت الولايات المتحدة بالقول: "لتعلم أمريكا الشر أنها ارتكبت حماقة ستندم عليها"، مضيفة: "سيتحول الألم والحسرة إلى حماس وغضب وثورة نترجمها أرقامًا على أرض الوقع وإن غدًا لناظره قريب".

من جهتها، طالبت كتائب حزب الله، الأجهزة الأمنية العراقية بـ"الابتعاد عن العدو الأمريكي لمسافة لا تقل عن ألف متر ابتداءً من مساء غد الأحد"، المصادف 5 كانون الثاني/يناير.

أضافت الكتائب في بيانها: "على قادة الأجهزة الأمنية الالتزام بمسافة السلامة لمقاتليهم وعدم السماح بجعلهم دروعًا بشرية للصليبيين الغزاة"، على حد تعبيرها.

بدوره، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى "اجتماع فوري للفصائل العراقية المقاومة بالخصوص والفصائل خارج العراق لإعلان عن تشكيل أفواج المقاومة الدولية".

استهداف الخضراء.. الفصائل تتبرأ

في السياق، تعرضت المنطقة الخضراء لعدة هجمات صاروخية تستهدف السفارة الأمريكية لكنها لم تصب الهدف أية مرة. وأعلنت فصائل مسلحة عدم مسؤوليتها عن تلك الهجمات، وقال المتحدث الرسمي باسم حركة النجباء نصر الشمري: "لا علاقة لها بالمقاومة، ومن المحتمل أن تكون من تنفيذ الأمريكان أنفسهم، فلو بدأ ردنا حتمًا سيكون ردًا مزلزلًا وسيشمل جغرافيا واسعة. نحن نمتلك صواريخ دقيقة ولو أردنا استهداف السفارة الأمريكية ستكون هدفًا سهلًا بالنسبة إلينا".

أشار الشمري إلى أن "الآلاف من جنود المارينز الأمريكي يتواجدون في السفارة الأمريكية وهم هدف محتمل لنا".

بدوره، علق زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي على استهداف المنطقة الخضراء بالقول: "لم تنطلق بعد ساعة الصفر في عمليات الثأر للشهيد القائد أبو مهدي المهندس. نحن قلنا إن أن الرد لن يكون أقل من الرد الإيراني على اغتيال الشهيد القائد قاسم سليماني، أما مجرد إطلاق صاروخين أخطئا هدفهما فلا يعني شيئًا".

لم يحدث أي رد عسكري على القوات الأمريكية بالشكل الذي صورته الفصائل حتى الآن

جدد الخزعلي توعده، وتهديد النجباء، مخاطبًا القوات الأمريكية: "بما أنكم رفضتم الانسحاب من أرض العراق الطاهرة فترقبوا الرد العراقي المزلزل، وإن غدًا لناظره لقريب"، لكن ردًا عسكريًا بالشكل الذي صوّرته الفصائل لم يحدث حتى اللحظة.

هل تحول الرد العسكري إلى تظاهر سلمي؟

مع ترقب الرد الذي تحدثت عنه الفصائل المسلحة، والتوعد المستمر باستهداف القوات والمصالح الأمريكية، غرّد الصدر منفردًا، ودعا "الفصائل العراقية إلى التأني والصبر وعدم البدء بالعمل العسكري وإسكات صوت التشدد من بعض غير المنضبطين إلى حين استنفاد جميع الطرق السياسية والبرلمانية والدولية".

اقرأ/ي أيضًا: مليونية الصدر تستقطب "الميليشيات".. قلق وتحذيرات وتوقيت مريب

جاءت الدعوة في 8 كانون الثاني/يناير، بعد تصويت البرلمان على قرار إخراج القوات الأمريكية من العراق وإنهاء طلب الحكومة بمساعدة التحالف الدولي.

لكن الصدر لم يغلق باب الصدام العسكري تمامًا، وقال في تغريدته ذاتها: "أنصح بغلق كافة مقرات الحشد الشعبي لكي لا تكون هدفًا للاستكبار العالمي، وخصوصًا إذا صار قرارنا المقاومة العسكرية مع المحتل في حال رفضه الخروج واستنفاد كل الطرق السياسية".

عاد الصدر ودعا إلى "ثورة عراقية لا شرقية ولا غربية"، وأضاف: "هبّوا يا جند الله وجند الوطن إلى مظاهرة مليونية سلمية موحدة تُندد بالوجود الأمريكي وبانتهاكاته"، مشيرًا إلى أنه "لنا بعد ذلك وقفات شعبية وسياسية وبرلمانية تحفظ للعراق شعبه الكرامة والسيادة".

لاقت دعوة الصدر استجابة فصائل مسلحة كالنجباء وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، وأعلنت مشاركتها في مليونية الجمعة المُطالِبة بإخراج القوات الأمريكية.

وفي السياق، كشف عضو المجلس الأعلى الإسلامي أحمد عبد الجبار، عن "تظاهرات أخرى ستعقب التظاهرة المليونية لحين إخراج القوات الأمريكية من العراق"، مرجحًا "اللجوء إلى الإضراب العام من أجل إخراج القوات الأمريكية من البلاد".

اشتراك الفصائل المسلحة في التظاهرات السلمية مع الصدر أثار تساؤلًا لدى المراقبين عن احتمالية تغير الخطاب العنيف والتهديدات التي أطلقتها تلك الفصائل وتوعّداتها بالرد المسلح على عملية اغتيال المهندس.

لكن الباحث والأكاديمي باسل حسين يرى أن "لا تحول في الآليات المتعلقة بالعمل العسكري أو التفكير به كأولوية، بقدر ما هو تنوع فرضه عامل منط علاقات القوة الذي اتضح جليًا بعد الرد الأمريكي على حادثة محاولة اقتحام سفارة الولايات المتحدة"، مشيرًا في حديثه لـ"ألترا عراق" إلى أن "هذه التظاهرات هي نوع أكثر مما هي سلوك بديل".

يعتقد حسين أن "الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية بعد قرار البرلمان العراقي ليس حديثًا جديًا وإن بدا شكلًا هكذا"، ويُبرر حسين اعتقاده بأن "الولايات المتحدة بالضرورة ستجد أكثر من وسيلة أو مبرر أو آلية لضمان وجودها في العراق، كأن تعيد انتشارها في إقليم كردستان على سبيل المثال".

يذهب محللون ومراقبون إلى أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات على بغداد في حال أقدمت على طرد قواته "بطريقة غير لائقة"، أجبر القوى العراقية على التروي والتعامل بهدوء أكبر مع ملف التواجد الأمريكي.

باسل حسين لـ"ألترا عراق": الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية بعد قرار البرلمان العراقي ليس حديثًا جديًا وإن بدا شكلًا هكذا

أما الأكاديمي باسل حسين فيقول: "لا أشك لحظة أن الرئيس ترامب قد أوصل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى الرئيس العراقي برهم صالح بالعواقب المترتبة على العراق إذا أصر الجانب العراقي على طلب الانسحاب، أو عن قائمة العقوبات المحتملة".

اقرأ/ي أيضًا: الصدر يحدّد الضوابط والسيستاني يلمّح.. هل تنصاع الفصائل المسلحة؟

أضاف حسين: "يمكن أن نستشف من محاولة الرئيس صالح قطع حديث الرئيس ترامب عن مسألة العقوبات أن ثمة حوار قد دار في اللقاء عنها لم يرد الرئيس أن يظهره للعلن لما يسببه ذلك من إحراج له قبل كل شيء، ولعدم منح مساحة أخرى من التوتر الذي رافق إعلان لقاءه بالرئيس ترامب". في إشارة إلى مقاطعة الرئيس العراقي لإجابة الرئيس الأمريكي عن سؤال صحفي يتعلق بفرض العقوبات على العراق.

في السياق، كانت كتائب حزب الله وحركة النجباء قد حذرت وهددت صالح في حال لقاءه ترامب. لكن حسين يرى أن "لا تهديد جدي للرئيس، وسيبقى الوضع على ما هو عليه رغم أننا سنرى جعجعة من غير طحن".

ورغم أن صالح بحث مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبيرغ انسحاب القوات الأجنبية من العراق، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وقبل تظاهرة الجمعة، أعلنت استئناف عملياتها المشتركة مع العراق ضد تنظيم الدولة (داعش)، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

يقول باسل حسين تعقيبًا على ذلك: "لقد كان قرار البنتاغون بعودة العمليات المشتركة في العراق دلالة واضحة أن هناك نية في الاستمرار والبقاء في العراق بعيدًا عن قرار البرلمان بخصوص القوات الأجنبية".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

اتفاقية فعالة وحكومة دون صلاحيات.. ما مصير القوات الأمريكية في العراق؟

الصدر ومعركة التوازن.. "صالحان" يتناغمان قبل تظاهرة الأمريكان