دون حق في اختيار الحكومة.. ماذا يعني وجود مئات المرشحين

دون حق في اختيار الحكومة.. ماذا يعني وجود مئات المرشحين "المستقلين"؟

متخفٍ أو خائف.. بمتبنيات متطابقة مع الأحزاب (Getty)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

لعل واحدة من أبرز المتغيّرات في الانتخابات المبكرة الخامسة في عراق ما بعد 2003، والتي ستجرى في 10 تشرين الأول/أكتوبر، هو بروز ظاهرة "المرشح المستقل"، من ناحية الزخم الدعائي لهذه العبارة التي يحرص مرشحون على وضعها في يافطاتهم الدعائية، فضلًا عن عدد المرشحين غير المسبوق تحت هذا الوصف.

صفة المستقل والتكنوقراط مارستها الأحزاب والكتل السياسية منذ تظاهرات 2015

وبينما تشير التقديرات إلى وجود نائبين مستقلين اثنين في البرلمان بعد انتخابات أيار/مايو 2018، يتنافس اليوم عدد هائل من المرشحين المستقلين يبلغ 789 مرشحًا مستقلًا، من أصل 3249 مرشحًا للانتخابات المقبلة، ما يعني أن عدد المرشحين المستقلين يمثل 24%، أي قرابة ربع العدد الكلّي من المرشحين.

المستقل.. متخفٍ أو خائف

رواج صفة "المستقل" في السباق الانتخابي هذه المرّة، جاء ضمن سياق ومسببات مسبقة، حيث ساهم النفور والقطيعة والغضب الشعبي من كل ما هو "حزبي" بفعل مارست عليه الأوضاع المستعصية في البلاد على يد الطبقة الحاكمة المنبثقة من أحزاب متعددة، بتشكيل اعتقادات وإفراز حلول مقترحة بفترات مختلفة تمثّلت بمسميات عديدة منها "التكنوقراط"، والمستقل وغيرها، في إشارة إلى عدم انتماء الشخصية المقصودة سواء كانت مرشحة للبرلمان أو لمناصب تنفيذية، لأي من الأحزاب الحاكمة، وهو ما يوحي إلى "إمكانية أن يعمل وفق متبنيات وطنية لا متبنيات وتوجهات مكوناتية أو طائفية".

اقرأ/ي أيضًا: في الممارسة الأدائية لـ"السياسي المستقل"

هذه الاستراتيجية أُجهِضت مبكرًا بشكل نسبي لدى الأوساط الشعبية مع تنامي عدم الثقة بالعملية السياسية عمومًا، فأصبح كل تكنوقراط أو مستقل، إن لم يكن خافيًا انتماءه الحقيقي تحت هذا الرداء، فهو شخصية خائفة مجبرة على تنفيذ متطلبات وتوجهات الحزب المشرف على منصب هذا الشخص المستقل، بحسب الناشط في التظاهرات علي وحيد.

ويضيف وحيد في حديثه لـ"ألترا عراق" إن "صفة المستقل والتكنوقراط مارستها الأحزاب والكتل السياسية منذ تظاهرات 2015 وهي تجربة خاضها العراقيون واكتشفنا زيفها، فالوزير أو رئيس الوزراء التكنوقراط سيكون محكومًا بقواعد وقوانين ترسمها الكتل والأحزاب التي تشكل أركان العملية السياسية في البلاد، على صعيد المناصب التنفيذية".

أما على صعيد البرلمان، وبالرغم من أن وحيد يؤكد أهمية تصاعد أعداد المستقلين داخل البرلمان كجهة تشريعية مشرفة وترسم سياسة البلاد، إلا أنه غير متفائل بإمكانية تحقيق المستقلين شيئًا وسط الكتل السياسية الكبيرة والمعروفة، والتي تأخذ على عاتقها رسم شكل العملية السياسية.

شخصيات متشظية.. ومتبنيات متطابقة مع الأحزاب

وباستبعاد السيناريوهات والمؤاخذات المطروحة في الشارع العراقي على الشخصية المستقلة بوصفه متخفٍ أو خائف، وتناول الأشكال الأخرى للمستقلين الذين يمثلون أما نوابًا سابقين مستقيلين عن كتلهم أو ضباط وشخصيات أكاديمية متقاعدة أو كفاءات في قطاعات مختلفة أو شخصيات ظل لأحزاب مهيمنة في النظام السياسي، وفي حال افتراض أن هذه الشخصيات المستقلّة ستنجح بالفعل بالوصول إلى البرلمان، تُطرح تساؤلات عن الفائدة المحتملة والاستراتيجية التي من الممكن أن يتحرّك بها المستقلون داخل مجلس النواب القادم، ومقدار تأثيرهم على طريقة صياغة العملية السياسية المقبلة والأولويات التي سيعملون عليها، وما إذا كان تحقق شرط "التحرّر وعدم الانتماء إلى حزب أو كتلة"، خاصة مع اتهام الأحزاب بأنها ليست ديمقراطية وتعتكز على مفاهيم طائفية ومكوناتية.

وعند افتراض صعود نحو 50 نائبًا مستقلًا من أصل 789 مرشحًا مستقلًا، والتسليم بأنهم مستقلون بالفعل وليسوا مرشحين من قبل كتل معروفة، سيتمّ ضمهم إلى هذه الكتل مجددًا بعد صعودهم للبرلمان، وسيكون هؤلاء النواب الـ50 الذين يضاهي عددهم، عدد نواب تحالف سائرون في مجلس النواب الحالي، عبارة عن شخصيات متشظية لا يجمعهم أي رابط أو عقيدة أو مشروع سياسي مسبق يتحمسون لتطبيقه حال الوصول إلى البرلمان، فكل مستقل لا يعرف المستقل الآخر ولا تجمعهم كتلة أو قائمة أو مبدأ موحد بحسب مراقبين أشاروا لاحتمالية اكتشاف بعض المستقلين حال وجودهم في البرلمان، أن متبنياتهم أو رغباتهم ستتطابق في أحيان كثيرة مع متبنيات كتل وأحزاب معروفة، ما يؤدي لاستقطاب وذوبان أكثر المستقلين في بعض الكتل ورفع عدد نوابها، بدلًا من اجتماعهم بصفتهم مستقلين في تكتل واحد، الأمر الذي من الممكن أن يعكس عقيدة سياسية واحدة تفضي إلى تأثير كبير على شكل ونوع القوانين التي من المؤمل أن يتمّ تشريعها في الدورة البرلمانية المقبلة.

يرى باحثون أن هناك ردة فعل هائلة في الشارع العراقي ضد الحزبية وضد الانتماء للحركات السياسية باعتبار أن الحركات الحزبية أصبحت سببًا رئيسيًا لفشل تجربة ما بعد 2003

وبمراجعة سريعة لبعض المرشحين المستقلين، فأن من بينهم المتظاهر، وبينهم من يرتبط بخلفيات عشائرية ويتحرك وفق هذا المبدأ، وآخرون لديهم خلفيات دينية وغيرها من المتبنيات المتناغمة مع توجهات ومتبنيات الأحزاب والكتل الموجودة بالفعل داخل البرلمان.

اقرأ/ي أيضًا: جديد انتخابات تشرين وأبرز مرشحيها.. هل تحمل مفاجأة؟

وبحسب قانون الانتخابات الجديد، فأن أول شيء سيُحرم منه المستقلون الذين رشحوا بشكل فردي، هو عدم مساهمتهم باختيار رئيس الوزراء المقبل، حيث أن المادة 45 من قانون الانتخابات الجديد، منعت انتقال النواب لكتلة جديدة لحين تشكيل الحكومة والتصويت على رئيس الوزراء، ما يعني أن اختيار رئيس الوزراء سيكون حصرًا من مهمة الكتلة الفائزة بأكبر عدد من النواب والمصادق عليها بعد ظهور النتائج، ولا يسمح بتنقل النواب بين الكتل لزيادة عدد أعضاء كتلة ما وإعطائها حق تشكيل الحكومة.

سببان لتصاعد نجم المرشح المستقل

الباحث والمحلل السياسي عقيل عباس يتحدث عن سبب بروز المرشح المستقل بهذا الحجم،  قائلًا إن "المرحلة السياسية العراقية وللمرة الأولى تمنح أولوية للمرشحين المستقلين"، مبينًا خلال حديث لـ"ألترا عراق"، أن "هناك ردة فعل هائلة في الشارع العراقي ضد الحزبية العراقية وضد الانتماء للحركات السياسية لافتراضات معظمها وليست كلها صحيحة، باعتبار ان الحركات الحزبية اصبحت اداة للسلب والنهب وسبب رئيسي لفشل تجربة مابعد 2003".

وأضاف أن "هناك ما يشبه الالتفات الشعبي حول المرشح المستقل، وعلى المدى البعيد هذه الفكرة خاطئة"، معتبرًا أن "كل حياة سياسية ناضجة في أي تجربة ديمقراطية تحتاج وجود أحزاب، لكن الحياة الحزبية العراقية بحاجة إلى تأهيل حقيقي".

وعن السبب الثاني لبروز المرشحين المستقلين، يؤكد عباس أنه "يتعلق بقانون الانتخابات الجديد الذي لا يكافئ الأحزاب بل يعطي فرصًا متكافئة للمرشحين المستقلين إزاء المرشحين الحزبيين، لكن في السابق كان المرشح الحزبي له الأولوية حسب القانون الانتخابي السابق وقضية العتبة الانتخابية"، مبينًا أن "القانون الانتخابي الآن يركز على المحلية أكثر عبر تقسيم مناطق معينة لدوائر انتخابية يصوت فيها الناخبون لمرشحهم الموجود في مناطقهم حصرًا".

فائدة مشروطة

وحول ما يجمع بين هؤلاء المستقلين، يعتبر عباس أنه "من الصعب القول إن هناك جامعًا واحدًا أو قضية مشتركة بين المرشحين المستقلين، فهم يمثلون ردة فعل على الحزبية العراقية"، معتقدًا "وجود بعض الأفكار العمومية المشتركة بينهم مثل مكافحة الفساد وبناء مستقبل أفضل وتجاوز هشاشة الدولة، لكن هذه الأهداف يتفق عليها الجميع حتى الذين شاركوا بالفساد يقولون هذا الكلام".

ويعتبر عباس أنه "ستكون هناك فائدة معينة بوجودهم"، حيث يعتقد أن "البرلمان المقبل سيشهد أقل عددًا من المرشحين الحزبيين منذ 2003".

ويرى عباس أن "التحدي الوحيد الذي يواجهه المرشحون المستقلون هو قدرتهم على التنظيم، لأنهم بدون القدرة على تنظيم أنفسهم، فأن الكتل السياسية ستستطيع أن تفككهم، حيث أن هذه الكتل متغلغلة ليس فقط في البرلمان وإنما في السلطة التنفيذية أيضًا، ولديهم الأموال ولديهم الخبرة الطويلة بالعمل البرلماني، ويعرفون كيف يحبطون المشاريع البرلمانية الجادة التي قد يأتي بها المستقلون"، وبينما يرجح عباس أن "البعض منهم ربما ستجرفه الكتل السياسية عبر الفساد والإفساد وإيصالهم إلى لحظة اليأس"، إلا أنه "متفائل بأن بعضهم سينظمون أنفسهم، ليكونوا أقوى لأن هذه صيرورة طبيعية".

كيف تتفكك الكتل الكلاسيكية؟

وعن كيفية مواجهة الكتل الحالية وتفكيكها، يعتبر عباس أن هذه عملية طويلة، حيث أن "الكتل السياسية تمترست وترسخت على مدى 4 دورات انتخابية، فليس صحيحًا توقع إمكانية تفكيكها بعملية انتخابية واحدة، إلا أن "هذه الكتل التقليدية وبنفس الوقت لن تبقى كما هي أو ثابتة في الزمان والمكان، بل هي تقرأ التغيرات في المجتمع وستحاول بعضها على الأقل أن تتكيف وتتخذ مواقف أقل تطرفًا وتشددًا من المواقف السابقة، وأقرب إلى الجمهور لأنها تريد أن يستمر وجودها السياسي بالأخير".

يرى عقيل عباس أن بعض المستقلين ربما ستجرفهم الكتل السياسية عبر الفساد والإفساد وإيصالهم إلى لحظة اليأس

وبينما يعتقد عباس بأن المرحلة المقبلة ستشهد بعض التغييرات على صعيد الكتل السياسية التقليدية، إلا أنها غير كافية لإصلاح العملية السياسية، ويضيف أن "هذه الكتل غير قادرة على إنقاذ السياسة في العراق، ولكن عدة عوامل ستتضافر لإصلاح الوضع واحد منها وجود المستقلين وتكيّف الكتل السياسية الكلاسيكية والشيء الأهم هو استمرار ضغط الشارع، ودعم المستقلين باحتجاجات وتظاهرات أو تعبئة الرأي العام، وإثارة قضايا والضغط عليها، لأن الإصلاح لا يأتي عبر البرلمان فحسب، فهو أحد أدوات إفساد الوضع، لكن الأداة المهمة لإصلاح الوضع هو الشارع".

https://t.me/ULIQUltraIraq

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الانتخابات والتوقعات.. هل تكتمل خيبة الأمل؟

تنظيمات ما بعد تشرين: من المقاطعة إلى الممارسة