28-مايو-2022
مقتدى الصدر الحلبوسي بارزاني

تلقى التحالف الثلاثي 6 هزّات على الأقل جاءت من صوب القضاء (ألترا عراق)

أُثير جدل حول الانتخابات البرلمانية في العراق، التي أُقيمت في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2021، وسجلت أحزاب سياسية خسرت بعض مقاعدها اعتراضات على الانتخابات واتهمت جهات عدّة بتزويرها؛ لكن المحكمة الاتحادية لم تتخذ قرارًا لصالح المعترضين، وصادقت على النتائج.

وعُد إقرار الانتخابات والاعتراف بها نصرًا للتحالف الثلاثي الذي تشكل بعد الانتخابات، المكون من التيار الصدري وتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، الذين سعوا لتشكيل حكومة أغلبية، تضع الآخرين بالمعارضة.

نشأ حديثٌ عن محاولات لانفتاح الثلاثي على الكتل الأخرى كانت أبرزها مبادرة البارزاني التي قدّمها للصدر من أجل الإطار التنسيقي

 

منذ ذلك الحين، تلقى تحالف الأغلبية ستة هزّات على الأقل جاءت من صوب القضاء فقط، جعلت من تماسك التحالف أمرًا مشكوكًا به، وقد تسببت قرارات المحكمة الاتحادية العليا بإرباك سياسي بعد أن كان "التحالف الثلاثي" يأمل أن تسير الأمور على خطى جلسة التصويت على هيئة رئاسة البرلمان.

الثلث المعطل

في سياق سعي تحالف الأغلبية إلى استكمال التصويت على رئيس الجمهورية بذات آلية التصويت على هيئة رئاسة مجلس النواب، عطّل قرار للمحكمة الاتحادية مساعيه.

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا، في 3 شباط/ فبراير 2022، قرارًا حول استفسار قدمه صالح بشأن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد بتفسير المادة 70 أولًا من الدستور العراقي لعام 2005، وبيان الأغلبية الواجب توافرها للشرو بعملية التصويت، وهل يشترط حضور ثلثي أعضاء المجلس، إذ أن حضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس لا يحقق معنى "أغلبية ثلثي الأعضاء" ولو صوت جميع الحضور لذات المرشح.

وخلصت المحكمة إلى أن "مجلس النواب ينتخب رئيسًا للجمهورية من بين المرشحين بأغلبية ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي، ويتحقق النصاب بحضور ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي"، ما يعني ضرورة حضور 220 نائبًا في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.

ومنذ بدأ ينتشر مفهوم "الثلث المعطل" بناءً على تفسيرات المحكمة، نشأ حديثٌ عن محاولات لانفتاح الثلاثي على الكتل الأخرى كانت أبرزها مبادرة زعيم البارتي مسعود البارزاني التي قدّمها للصدر من أجل زج الإطار التنسيقي في الحكومة.

إقصاء زيباري

اتفق التحالف الثلاثي على ترشيح القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير الخارجية والمالية الأسبق، هوشيار زيباري، لمنصب رئاسة الجمهورية.

انتقادات لاذعة من أحزاب ومؤسسات كردستانية، وجهّت للمحكمة الاتحادية العليا

وفي حال تمرير زيباري، سيكون تكليف مرشح الثلاثي لرئاسة مجلس الوزراء يسيرًا بالمرة، لامتلاك التحالف الأغلبية التي تتيح منح الثقة لمرشح الائتلاف الحاكم.

لكن المحكمة الاتحادية، وفي 13 شباط/فبراير 2022، قضت بمنع ترشيح هوشيار زيباري إلى رئاسة الجمهورية على خلفية وجود قضايا فساد بحقه.

وخلص قرار المحكمة، إلى "عدم صحة قرار مجلس النواب بالموافقة على قبول ترشيح هوشيار زيباري لمنصب رئيس الجمهورية في 31 كانون الأول/يناير وإلغائه، وعدم قبول ترشيحه مستقبلاً لمخالفته أحكام المادة (68 من الدستور".

وكانت المحكمة الاتحادية العلي قررت في وقت سابق، إيقاف إجراءات ترشيح هوشيار زيباري لمنصب رئاسة الجمهورية، واستند القرار، إلى دعوى تقدم بها 4 نواب لإصدار أمر ولائي بإيقاف ترشيح زيباري لـ"مخالفته أحكام الدستور بدليل سحب الثقة عنه إثر اتهامات بالفساد المالي والإداري" حين شغل منصب وزير الخارجية.

وقبل قرار المحكمة الذي منع زيباري من الترشّح، كان الصدر قد دعا نواب كتلته إلى عدم منح أصواتهم لكل من لم يستوفِ شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، في إشارة عدّها مراقبون بداية لتفكك التحالف.

وبعد أيام من التخمينات والترجيحات بتفككه، عقد التحالف الثلاثي في 27 شباط/فبراير اجتماعًا في بغداد بحضور كبار القيادات فيه، حمل "رسالة واضحة للمحكمة الاتحادية بأن الاتفاق الموجود بين التحالف الثلاثي يعتبر اتفاقًا متينًا واستراتيجيًا ومحكمًا، ويمشي على خطى وطيدة لتمضية الاستراتيجية المتفق عليها بين الكتلة الصدرية والديمقراطي الكردستاني والسيادة"، بحسب تصريح لعضو الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام خص به "ألترا عراق" آنذاك.

ضربة  في عصب الاقتصاد

لم يكد التحالف الثلاثي أن يلتقط أنفاسه من تفعيل "الثلث المعطل" وإقصاء المرشح الأبرز هوشيار زيباري، حتى أصدرت المحكمة الاتحادية قرارًا يهدد العلاقة بين بغداد وأربيل من الأساس، وليس التحالف الثلاثي وعلاقة الصدر ببارزاني فحسب.

دون سابق إنذار، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارًا يوم 15 شباط/فبراير بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان لسنة 2007 وإلغائه لمخالفته أحكام 5 مواد من الدستور العراقي.

المحكمة ألزمت في قرارها حكومة الإقليم بتسليم كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية في إقليم كردستان والمناطق الأخرى وتسليمها إلى الحكومة الاتحادية، وأعطت الحق لوزارة النفط بمتابعة بطلان التعاقدات النفطية التي أبرمتها حكومة الإقليم مع الأطراف الخارجية دول وشركات، وكذلك مكّنت الوزارة وديوان الرقابة المالية بمراجعة عقود الإقليم النفطية وتحديد الحقوق المالية المترتبة بذمة كردستان.

انتقادات لاذعة من أحزاب ومؤسسات كردستانية، فضلًا عن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وبقية قيادات وأعضاء حزبه، وجهّت للمحكمة، وعد عضو الحزب فرهاد الأتروشي "توقيت إصدار قرار المحكمة الاتحادية حول نفط الإقليم غريبًا ومريبًا"، كما اعتبر  المتحدث السابق باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني مهدي عبد الكريم، في حديث لـ"ألترا عراق"، قرارات للمحكمة الاتحادية  أنها "جاءت بصالح الطرف المعرقل"، أي الإطار التنسيقي.

وفي الأثناء، كان زعيم التيار الصدري قد لوّح إلى القضاء في تغريدة على تويتر، أكد فيها على ضرورة "منع التدخلات الحزبية أو القضائية المسيسة".

وتصاعدت لاحقًا حدة التصريحات حين ساد الجدل بين وزارة النفط الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، حتى دعا الحزب الديمقراطي الكردستاني، في أيار/مايو الحالي، إلى إعادة تشكيل المحكمة الاتحادية العراقية، وإقرار قانون النفط والغاز.

عودة مطلوبين للزعامة

استراح التحالف الثلاثي لأقل من شهرين، ثم عادت القرارات القضائية لتهدد وجود الركن الآخر من أركانه، تحالف السيادة، بعد قرارين ضد الديمقراطي الكردستاني، وثالث ضد الثلاثة.

لم يكد التحالف الثلاثي أن يلتقط أنفاسه من تفعيل "الثلث المعطل" وإقصاء المرشح الأبرز هوشيار زيباري، حتى أصدرت المحكمة الاتحادية قرارًا يهدد العلاقة بين بغداد وأربيل من الأساس

كان ذلك حين أعلن أمير  قبيلة الدليم والسياسي الأنباري علي حاتم السليمان عودته إلى العاصمة العراقية بغداد، في نيسان/أبريل 2022.

وفي تغريدة إعلان العودة، لوّح السليمان إلى رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، بالحديث عن تحول الأنبار - مركز ثقل الحلبوسي إلى "مرحلة  الهيمنة والديكتاتورية وتكميم الافواه والفساد"، وأكد ذلك بالقول إن "على من يدعي الزعامة أن يفهم هذه هي الفرصة الأخيرة".

وأطلقت عودة السياسي علي حاتم السليمان إلى بغداد، وقبله رافع العيساوي، جدلاً كبيرًا بشأن علاقة قوى الإطار التنسيقي المقربة من إيران بالملف الذي يُوصف بأنّه أشد حملة للضغط على زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي المتحالف مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في مشروع يستهدف مواجهة الإطار.

وما هي إلا ساعات من إعلان السليمان، حتى هدد الحلبوسي باتخاذ مواقف جدية بمجمل المشاركة في العملية السياسية، منتقدًا "إثارة الفتن بين أبناء الشعب تحت أي سبب كان على أنه مناورة أو ضغط سياسي"، وكذلك "لتحكم المسلحين الخارجين عن القانون، وعبثهم بأمن البلاد والعباد".

الأمن الغذائي

بعد انقطاع السبل بالتحالف الثلاثي، وفشل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب (الثلثين) كما نص قرار المحكمة الاتحادية، لجأ إلى تشريع قانون مقدمٍ من الحكومة بعنوان "الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية".

واستهدف القانون إطلاق يد الحكومة في الاستفادة من فائض عائدات النفط المرتفع في "تحقيق الأمن الغذائي وتخفيف حد الفقر وتحقيق الاستقرار المالي في ظل التطورات العالمية والاستمرار بتقديم الخدمات للمواطنين والارتقاء بالمستوى المعيشي لهم بعد انتهاء نفاذ قانون الموازنة وخلق فرص العمل وتعظيم استفادة العراقيين من موارد الدولة ودفع عجلة التنمية واستئناف العمل بالمشروعات المتوفة والمتلكئة بسبب عدم التمويل والسير بالمشروعات الجديدة" بحسب الأسباب الموجبة للقانون.

أربعة أيام فقط مضت على نشر وثائق القانون، حتى أصدرت المحكمة الاتحادية، قرارًا بناء على طلب من رئيس الجمهورية برهم صالح، مُقدم إليه من مجموعة من أعضاء مجلس النواب العراقي، يلغي القانون الذي تبناه الثلاثي.

ففي 15 أيار/مايو 2022، قالت المحكمة إنه "لا يحق لحكومة تصريف الأعمال اقتراح مشاريع القوانين أو عقد القروض أو التعيين بالمناصب العليا للدولة أو الإعفاء أو إعادة هيكلة الوزارات".

بعد انقطاع السبل بالتحالف الثلاثي، لجأ إلى تشريع قانون مقدمٍ من الحكومة بعنوان الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية

وردّ زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بخطاب متلفز غاضب، في اليوم التالي، قال فيه موجهًا خطابه للإطار التنسيقي: "إنهم يستهدفون الشعب ويردون تركيعه والأعجب من ذلك مسايرة القضاء أفعال الثلث المعطل المشينة من حيث يعلم أو لا يعلم". 

إقصاء مشعان الجبوري

تلقى الحزب الديمقراطي الكردستاني ضربتان، تمثلتا بإقصاء هوشيار زيباري والأخرى بملف النفط والغاز، فتعادل معه الجناح الآخر، بإقصاء مشعان الجبوري، القيادي في تحالف السيادة، من مجلس النواب.

وفي يوم خطاب الصدر، قررت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، إلغاء عضوية النائب مشعان الجبوري في البرلمان لدورته الخامسة، على خلفية دعوى قضائية رفعها السياسي قتيبة الجبوري، تستند إلى الطعن بصحة الشهادة الدراسية الخاصة بمشعان الجبوري.

وربط مشعان الجبوري بين إقصائه وتحالفه مع التيار الصدري، بالقول، إنه "حين كنت حليفًا للطرف الآخر كنت مستوفيًا لشروط العضوية وتم تجاهل كل الأباطيل التي يروجها المنافسون، وعندما وجدت أن مصلحة الناس الذين أمثلهم هي في التحالف مع طرف سياسي آخر وجدت المحكمة الاتحادية إني فاقد لشروط عضوية مجلس النواب الذي كنت نائبًا فيه منذ المجلس الوطني المؤقت ولخمس دورات".

وسبق للجبوري أن كان من مقربًا من الحشد الشعبي والكتل المنبثقة منه في وقت سابق، قبل أن يتحالف رفقة "السيادة" مع التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني.

هل يتفكك الثلاثي؟

يراهن الإطار التنسيقي على انهيار خصمه التحالف الثلاثي بفعل الضربات المتتالية وفشله في تشكيل حكومة الأغلبية، ولم يخفِ رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ذلك، حين قال إن " أطراف التحالف "لن يصمدوا" في اتفاقهم الراهن "ولن يستمر هذا التحالف إلى الانتخابات المقبلة بعد 4 سنوات"، مشيرًا إلى أنّ "الخلافات التي بدأت تظهر دليل على ذلك، وأطراف التحالف ذاتها تعلم أنّ اتفاقهم لن يصمد".

وقد دعا المالكي، أطراف تحالف الأغلبية في مقابلة تلفزيونية أواخر نيسان/أبريل 2022، إلى "الإقرار بفشلهم في المضي بمشروعهم والتحرك نحو الاتفاق مع الأطراف الأخرى".

في وقت يستبعد رئيس مركز بغداد للدراسات الستراتيجية مناف الموسوي، أن تكون قرارات المحكمة الاتحادية العليا الأخيرة استهدافًا مباشرًا للتحالف الثلاثي، يقول إنها "جاء بتفسيرات جديدة وقوية بنفس الوقت جعلت الجميع يفكر بأنها ميلان لكفة جهة على حساب أخرى في ظل التنافس الحاصل لتشكيل الحكومة".

ويوضح الموسوي، وهو مقرب من أصحاب القرار في الكتلة الصدرية، أن "ما يمكن أن يفسر نظرية الاستهداف للتحالف الثلاثي عند البعض هو توقيت صدور القرارات، فالتوقيتات دائمًا تعطي طابعًا على أن القرارات ضربت بعض الأركان وحققت نتائج للمشتكين مثل الطرف المدعي في قضية قانون الدعم الطارئ وصلاحيات حكومة تصريف الأعمال". 

ويشير الموسوي في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "المثال الواضح والواقعي الذي يمكن أخذه كدليل على الاستهداف المباشر هو اعتبار المحكمة لشهادة مشعان الجبوري على أنها مزورة رغم أنه نائب في مجلس النواب لخمس دورات نيابية وحتى قبلها بعد 2003 كان مشاركًا بالعملية السياسية، وكانت أوراقه تدقق في كل دورة لكن لم تقل أي مؤسسة أنها مزورة، فلماذا الآن؟"، يتساءل الموسوي.

يراهن الإطار التنسيقي على انهيار خصمه التحالف الثلاثي بفعل الضربات المتتالية وفشله في تشكيل حكومة الأغلبية

وعن إمكانية صمود التحالف الثلاثي أمام هذه القرارات التي يستحصلها الإطار من المحكمة الاتحادية، قال الموسوي إن "التحالف قوي ومتماسك لغاية الآن ولم يؤثر به شيء، كما أن مشروعه قائم ولا يوجد خلاف عليه بين الأطراف الثلاثة"، مستبعدًا ذهاب الحزب الديمقراطي الكردستاني أو تحالف السيادة صوب الإطار التنسيقي.

وإذ يرجح رئيس مركز بغداد أن يواصل الصدر "طريقة تسقيط الحلول تباعًا لحين الوصول للحل الأنسب للكتلة الصدرية وللشعب وللقواعد الجماهيرية وأيضا التظاهرات"، يحذّر من أن "الصيف اللاهب مقبل وهناك أشهر ستكون قاسية على العراقيين وهي بالتأكيد ستدفع لزيادة غليان الشارع وربما خروج احتجاجات جديدة"، مؤكدًا أن على "الثلث المعطل حساب كل خطوة يقوم بها لأنها سترتد عليه لأن الشارع ليس بالغشيم عما يحصل".