معاناة كوادر الصحة في الاحتجاج.. كيف ظفر

معاناة كوادر الصحة في الاحتجاج.. كيف ظفر "سائرون" بوزارة وسط حمّام الدم؟

هناك من فصلوا من عملهم بسبب مشاركتهم في العمل التطوعي لإسعاف الجرحى من المتظاهرين (Getty)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

تتولى أجهزة السلطة وجهات ساندة معالجة الاحتجاجات، والعمل على رصد وقمع كل ما يساعد على تمتينها، المتظاهرون والنشطاء والكثير من الصحفيين الموجودين في الساحة، بالإضافة إلى الكوادر الطبية، والأخيرة، الأكثر استهدافًا، خاصة وإنها خففت من الزخم على المستشفيات ما قلل من المعتقلين منها خلال الحملات التي تشنها الأجهزة الأمنية وجهات أخرى.

تتعاون إجراءات وزارة الصحة وجهات مسلحة في ملاحقات ورصد كل جزئية تتعلق بالكوادر الصحية ودورها في دعم المحتجين

 تهديد وترهيب تتعرض له الكوادر فضلًا عن منع وزارة الصحة لموظفيها من المشاركة في الفرق الطبية داخل ساحة التحرير، فيما افتتحت الوزارة خيمًا شَكلية بلا دور فعلي، بحسب متظاهرين.

معالجات ميدانية

تتسارع "التكاتك" منطلقة من ساحة التحرير نحو أربع مستشفيات قريبة من مسرح الاحتجاج، حاملة جرحى وضحايا قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي الذي تستخدمه القوات الأمنية، لكن الحاجة إلى تلك المستشفيات انخفضت بشكل لافت نتيجة المعالجة الميدانية في المفارز المتواجدة في الساحة.

اقرأ/ي أيضًا: التغطية تحت أزيز الرصاص.. كيف وثق الصحفيون احتجاجات تشرين؟

لم ينقل حسن وعدد من أصدقائه سوى خمس حالات إلى المستشفيات الأربع، ليس لعدم وجودها وإنما للمعالجة التي تستقبلها المفارز الميدانية، فيما يؤكد أنه ينقل العشرات من الحالات من خط التماس الأول في مناطق التقدم المتخلفة والتي تشهد عمليات كر وفر بشكل مستمر إلى تلك المفارز، لحالات الاختناق النسبة الأكبر منها، جراء قنابل الغاز المسيل للدموع بالإضافة إلى الجروح جراء الإصابات المباشرة.

أضاف حسن وهو سائق "تكتك" في حديث لـ"ألترا العراق"، أن "الكثير من الحالات لا تتحمل التأخير وهي بحاجة لتدخل بسيط لكنه يجب أن يكون سريعًا، وقبل فوات الأوان، مستدركًا "لكن بعد المسافة إلى المستشفى والازدحام يؤخر وصولها، فضلًا عن عدم استعداد أغلب المستشفيات للحالات الطارئة، مثل مستشفى الجملة العصبية المجهز لاستقبال إصابات وحالات نوعية يتم تحويلها من مستشفيات العاصمة وعدد من المحافظات".  

تابع حسن أن "المكسب الأهم في معالجة المصابين داخل الساحة هو ضمان سلامة الجرحى ومرافقيهم خلال رقودهم، حيث تعمل الأجهزة الأمنية وجهات أخرى على اعتقالهم أو تصويرهم وملاحقتهم"، لافتًا إلى أن "الكثير من الاعتقالات نُفذت بعد خروج المتظاهرين من المستشفيات خاصة الحالات البسيطة التي تنتهي بوقت قصير".

الصحة والأمن تلاحقان الكوادر

تتعاون إجراءات وزارة الصحة وجهات مسلحة في ملاحقات ورصد كل جزئية تتعلق بالكوادر الصحية ودورها في دعم المحتجين، حيث لا تفرغ وزارة الصحة موظفيها إداريًا للعمل في المفارز الميدانية، ما جعل الاعتماد بشكل أساسي على المتطوعين من طلبة المجموعة الطبية، ما أدى إلى أخطاء طبية، بحسب أطباء.

مررت الكتل السياسية في 10 تشرين الأول/أكتوبر صفقة بظروف غامضة، حيث صوت البرلمان على اختيار وزيري التربية والصحة بجلسة خاطفة

منذ أن بدأت في معالجة المحتجين في ساحة التحرير تتلقى الدكتورة "خ، م" تهديدات عديدة عبر الهاتف أو الملاحقة والمضايقة في الشارع، بالإضافة إلى ذهاب عناصر من أحد الأجهزة الأمنية لبيتها وطلب معلومات روتينية، فيما عدت هذا الإجراء تهديدًا غير مباشر.

اقرأ/ي أيضًا: ساحة التحرير.. روح الفريق قيادة للاحتجاجات!

أضافت الدكتورة في حديث لـ"ألترا عراق"، "أكمل مناوبتي في المستشفى الذي أعمل فيه، أخفي كل ما يشير إلى ذهابي أو تواجدي في ساحة التحرير خوفًا من الملاحقة، مستدركة "لكني رغم ذلك تلقيت تهديدات بالتصفية والتغييب في حالة الاستمرار، وتواصلت عائلتي مع قيادة أمنية من خلال معارف وحاولوا حل الموضوع، لكن الاتصالات ما زالت مستمرة"، لافتةً إلى أن "الكوادر الطبية تعاني من التصوير المستمر ما يضاعف المخاوف، خاصة كاميرات المؤسسات الإعلامية والتي لا تحمل "لوغو" [شعار التلفزيون] لكنهم يدعون أنهم لمؤسسة ما وأن يقومون بإخفاء الشعار خوفًا من الملاحقة".

في السياق، مررت الكتل السياسية في 10 تشرين الأول/أكتوبر صفقة بظروف غامضة، لم يسلط عليها الضوء لتزامنها مع أزمة الجولة الأولى من الاحتجاجات، حيث صوت البرلمان على اختيار وزيري التربية والصحة بجلسة خاطفة، والتربية كانت للحلبوسي فيما تشير مصادر إلى أن الصحة لتحالف سائرون بذات الطريقة التي مرروا من خلالها وزراء حسبوا عليه وهم تحت شعار "التكنوقراط".

اختار البرلمان سها خليل العلي بك للتربية، وجعفر علاوي للصحة، بصفقة سياسية اشترك بها نحو ستة أشخاص، وشملت تمرير وزير الصحة لسائرون، والتسجيلات الفيديوية توثق عدم حصول مرشحة التربية على الأصوات الكافية لتمريرها، بحسب مصدر.

نفى المصدر وهو في المشروع العربي في حديث لـ"ألترا عراق"، "علاقة المشروع بوزيرة التربية سهى خليل العلي بك بالرغم من أنها حصة المشروع، متهمًا البرلمان بـ"تمريرها دون ‏حصولها على الأصوات الكافية".

 تشير مصادر إلى أن الصحة لتحالف سائرون ومررت بذات الطريقة التي مرروا من خلالها وزراء حسبوا عليه وهم تحت شعار "التكنوقراط"

أضاف أن "التأخير في اختيار وزيرة للتربية سمح للجميع بتقديم مرشحيهم لها، وحصل اتفاق بين رئيس لجنة التربية عن "سائرون" قصي الياسري، وبين ‏رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والبرلمان، حيث اشتركت جهات عديدة في تقديم الوزيرة ودفعت مئات الملايين من الدولارات، فيما كانت حصة سائرون تمرير وزير الصحة".

اقرأ/ي أيضًا: هل شاركت ألوية الحشد الشعبي مع "الشغب" بقمع المتظاهرين؟

ما يدعو إلى استحضار هذه الحادثة والتي تزامنت مع مقتل العشرات في الجولة الأولى من الاحتجاجات هو سيطرة تحالف سائرون على الوزارة التي تقف عاجزة أمام ممارسة دورها الإنساني في تقديم الخدمة، خاصة وأن التحالف ظفر بـ54 مقعدًا من خلال الاحتجاجات منذ 2015.

أكدت مصادر عديدة من تحالف سائرون أن الصفقة تم ترتيبها من قبل شخصيات معينة ولم يحضرها نحو 20 عضوًا من التحالف بسبب الظروف الأمنية وقتها، فضلًا عن السرعة والسرية التي مررت بها.

أضافت المصادر أن "دور الوزارة المهني يحتم عليها إرسال كوادرها وتقديم الخدمات كافة، وهذا ما حدث في محافظة واسط حيث أرسل مدير دائرة الصحة فيها عن "سائرون" جبار الياسري، مفارز إلى ساحات الاعتصام تحسبًا لحدوث إصابات بالرغم من منع محافظ واسط عن تيار الحكمة محمد جميل المياحي ذلك، فيما دافع الياسري بوقتها عن دوره المهني بعيدًا عن السياسية.

ملاحقات .. أخطاء طبية

الدكتورة "خ.م"، قالت إن "البشاعة والقمع الذي يتعرض له المحتجون والذين معظمهم بعمر أخوتي الصغار يشعرني بنسيان كل هذا التهديد، ويشعرني بالخجل أمام هذه التضحيات، نعم تنتابني لحظات من الخوف والقلق، لكن أولئك الشباب يمنحوني طاقة كبيرة".

تعتبر الدكتورة التقدم في إمكانيات المفارز الطبية ساعد على تقليص الحاجة للمستشفيات الرئيسية، فيما دفع الأجهزة الأمنية وجهات أخرى بتكثيف المراقبة والمتابعة في ساحة التحرير، حتى بات من السهل تميزهم، وتروي الدكتورة تفاصيل الملاحقة التي يتعرض لها الجرحى ومحاولات اعتقالهم، "استدعت الضرورة في أحد الحالات إلى تحويله إلى المستشفى، لكن جهاز المناداة في مركز الإسعاف الفوري نعلم أنه تحت مراقبتهم وهناك مجماميع منتشرة قرب المستفيات، ما دعانا إلى توجيه ثلاث نداءات مختلفة، ومع ذلك وصولوا لكنهم متأخرين بعد أن تمكنا من إدخال الجريح إلى صالة العمليات بشكل متخف"، لافتةً إلى أن "الطلق المطاطي المطاطي يصعب تشخيصه من دون سونار، خاصة وأن القوات بدأت تستخدم نوعيات جديدة تتشظى لتصيب أكثر من شخص".

هناك من فصلوا من عملهم بسبب مشاركتهم في العمل التطوعي، وتغيبهم عن العمل، فيما تعرض كثيرون منهم إلى الطعن في الشوراع المظلمة ليلًا

تؤكد الدكتورة أن "هناك من فصلوا من عملهم بسبب مشاركتهم في العمل التطوعي، وتغيبهم عن العمل، فيما تعرض كثيرون منهم إلى الطعن في الشوراع المظلمة ليلًا، خاصة في لحظات الهجوم من قبل قوات مكافحة الشغب، فضلًا عن استهدافهم بشكل مباشر حيث استشهد أطباء وأصيب آخرون".

اقرأ/ي أيضًا: من خدمة الزائر إلى "الثائر".. التضامن الوطني في الاحتجاجات

لا ينفي الدكتور حسن ناظم وجود أخطاء طبية بسبب نقص الكوادر الطبية من وزارة الصحة، معتمدين على تطوع طلبة المجموعة الطبية، ويقول إن "الأخطاء تكاد تكون مميتة، خاصة في معالجة حالات الاختناق، كون الطلاب غير مهيئين لاستقبال الحالات الطارئة ويصابون بالفزع، والكثير منهم يسرع إلى إعطاء المختنق أوكسجين متناسيًا التسارع في دقات القلب، وفي الحقيقة ما يحدثه الغاز هو تخدش في المجاري التنفسية وهذا يحتاج إلى إجراءات مختلفة".

أضاف ناظم وهو طبيب اختصاص في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "جميع المتواجدين من كوادر الوزارة يعملون على مسؤوليتهم الشخصية، منهم من يكمل دوامه في مؤسسته الصحية ويأتي إلى الساحة، وآخرين مضربين عن الدوام وفصلوا إثر ذلك"، مشيرًا إلى أن "معظم المتواجدين هنا تطوعوا عبرعلاقات شخصية بين بعضهم البعض، ويعتمدون في تجهيز مفارزهم على المساعدات والتنسيق مع المذاخر والمتبرعين، واالمفارز تطورت تدريجيًا حتى تحولت إلى أشبه بالمستشفيات الموقعية تقدم خدمات تكاد تغطي 90% من الحالات".

يتخذ مسؤولو المفارز مجموعة إجراءات للتأكد من إمكانية المتطوع وتحديد المكان المناسب للاستفادة منه، سواء كمسعف ينقل الجرحى أو ثابت في المفرزة، من خلال سؤاله في اختصاصه ومتابعته في اليوم الأول والتأكد من أوراقه الثبوتية المتعلق بالكلية أو المؤسسة، بحسب طبيب الاختصاص.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فتيات يغسلن ثياب المتظاهرين.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!

"التكتك الوطني".. من مصدر للمضايقات إلى بطل الاحتجاجات