18-أكتوبر-2019

عمدت السلطات في قطع الإنترنت بصورة تامة بعد تصاعد الاحتجاجات في المحافظات العراقية (Getty)

مع انطلاق احتجاجات في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، واجهت الحكومة العراقية الشباب المحتج على سوء الخدمات والبطالة بالعنف المُفرط، وأدى استخدام سلاح القناص في قمع الاحتجاجات إلى قتل العشرات من الشباب، وإصابة أكثر من 6000 متظاهر بالإصابات والجروح.

عمدت السلطات في قطع الإنترنت بصورة تامة لمنع مشاهد الدماء والعنف الحكومي ضد المتظاهرين فضلًا عن التحشيد والتضامن بين المتظاهرين في المحافظات

ومع نزيف الدم هذا في شوارع بغداد والمحافظات، عمدت الحكومة لقطع الإنترنت بصورة تامة، لمنع مشاهد الدماء والعنف الحكومي من الانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي، وعزل المحتجين عن باقي العراقيين والعالم، بالإضافة إلى مواجهتم في الوسيلة التي كادت أن تكون وحيدة للتحشيد والتضامن، لكن حين حجب، ظهرت طرق أخرى للوصول للاحتجاج.

اقرأ/ي أيضًا: بعد قطعه أيام الاحتجاجات.. العراق يخسر مليار دولار بسبب الإنترنت!

في يوم الأربعاء، الثاني من تشرين الأول/أكتوبر قطعت الحكومة العراقية الإنترنت بشكل تام، واستمر هذا القطع لسبعة أيام متتالية، تبعه قطع جزئي للإنترنت، وحظر تام لمواقع التواصل الاجتماعي وإيقاف خدمة الجيل الثالث التي تعتمد عليها الأجهزة المحمولة للاتصال بالإنترنت، كل هذا أدّى لخسائر كبيرة للشركات الناشئة، والشركات المتوسطة، وتهديد آلاف فرص العمل بالاختفاء من السوق العراقية، وبالطبع خسائر كبيرة للاقتصاد العراقيّ بشكل عام.

شركات تُسرّح موظفيها ومستثمرون يهربون!

أحمد صبحي مدير العمليات في شركة (ع السريع) لتوصيل الطعام، ومقرها في بغداد، تحدث لـ"ألترا عراق" عن حالة شركته بعد قرار قطع الإنترنت بالقول، إن "خسائرنا فادحة، كان لدينا خطط لتطوير الشركة لكننا جمدناها الآن، وهذا يعني خسارة في فرص العمل التي كانت من الممكن أن توفرها شركتنا للشباب". 

أشار صبحي إلى "أضرار فادحة" بفرص الاستثمار في شركته قائلًا إن "قرار قطع الإنترنت مصيبة على الاقتصاد العراقيّ وعلى المشاريع الناشئة الاستثمارية التي توظف الشباب، مبينًا "لا أعرف كيف سنجد مستثمر يفكر في الاستثمار في شركتنا، خصوصًا على المدى القريب والمتوسط، أي على مدى الثلاث سنوات القادمة، وللعلم فأن مجالنا يدر مليارات الدولارات على اقتصادات البلدان الأخرى".

وخلال حجب الإنترنت خسر بعض الشباب عملهم، خصوصًا أولئك الذين يعملون في قطاعات تعتمد على الإنترنت بشكل أساسي، الأمر الذي أكده صبحي بالقول، إن "بعض المطاعم التي نتعامل معها قامت في الفترة الأخيرة بزيادة الموظفين لديها بسبب الزيادة في الطلب التي وفرتها شركتنا وأمثال شركتنا، مستدركًا "لكن بعد قرار قطع الإنترنت بدأت المطاعم بتسريح جزء من موظفيها لأن الطلب أصابه الانكماش، وهذا ما جعلنا نتخذ قرارًا بإيقاف  بعض موظفينا أيضًا"، مضيفًا "أنا خائف على الشباب التي وظفتهم شركتنا من فقدان فرص عملهم لأن عوائل كاملة تعتمد على مشروعنا".

كانت الخسائر فادحة على الشركات التي تعتمد في عملها على الإنترنت بعد حجبه من الحكومة بالإضافة إلى موظفين سرحوا ومستثمر أصبح لا يثق بالشركات العراقية

أما شركة (كريم) المختصة بتأجير سيارات الأجرة عبر الإنترنت تكبدت خسائر كبيرة أيضًا، ضرغام كاظم، سائق سيارة أجرة يعمل لدى الشركة قال في حديث لـ"ألترا عراق"، إن "مكتب الشركة في بغداد شبه متوقف عن العمل، ومدخولي انخفض وهنالك أكثر من 2000 سائق أجرة يعانون مثلي"، مضيفًا بحزن "لا أعرف لمن أشتكي".

اقرأ/ي أيضًا: رسالة من عبد المهدي بعد حديث عن تسجيلات تثبت صدور أوامر بقتل المتظاهرين

بالإضافة لذلك، تضررت من قرار قطع الإنترنت شركات السياحة والسفر، شركات النفط، شبكات التحويل المالي، الموانئ، شركات الاستيراد والتصدير، الصيرفات، مكاتب الخدمات الطبية، شركات تعتمد على التسويق الإلكتروني، وسائل الإعلام، والمصارف.

سرقات من شركات الاتصالات وانخفاض مداخيل "أصحاب الأبراج"

رغم قطع الإنترنت نهائيًا، تفاجئ بعض المشتركين من تجديد اشتراكاتهم تلقائيًا من قبل شركات الإنترنت، وهو ما أشار إليه ماهر الربيعي، وهو مشترك في خدمة الجيل الثالث التي توفرها شركات الاتصالات، ماهر قال لـ"ألترا عراق"، "تفاجأت من رسالة وصلتني من الشركة تقول إنه تم تجديد اشتراكي في الإنترنت، واستقطعوا مني مبلغ شهر كامل رغم توقف الإنترنت، مبينًا "هذه سرقة علنية، فهم أخذوا الأموال مني ولم أحصل على الإنترنت في المقابل". 

من جانب آخر تراجع مدخول أصحاب منافذ الإنترنت في العراق أو ما يسمى عراقيًا بـ"أصحاب الأبراج" نتيجة لقطع الإنترنت، ضياء الخيكاني صاحب منفذ لبيع الإنترنت قال لـ"ألترا عراق"، إن "بعض المشتركين لم يجددوا اشتراكهم الشهري، وهذا ضرر على مداخيل أصحاب الأبراج، متسائلًا "لا أعرف كيف سيستمر وضعنا في حال استمرت السلطة بقطع الإنترنت وقتما تشاء؟"، مضيفًا "عملنا اصبح غير مستقر وهذا ظلم".

قطع الإنترنت يعطل التعليم

طلبة الجامعات وطلبة الدراسات العليا، فئة أخرى متضررة من قطع الإنترنت، حيث عزلهم قرار قطع الإنترنت عن مواقع البحوث والمصادر العالمية التي يحتاجونها في دراستهم وكتابة بحوثهم، وهو ما أكده الدكتور طريف كامل الشيبي، الأستاذ في جامعة بغداد، عند حديثه لـ"ألترا عراق" حول "التأثير البالغ" لقرار قطع الإنترنت على طلبة الدراسات العليا، قائلًا إن "طلبة الدراسات العليا لا يعتمدون على الدراسة التلقينية بقدر ما هي تحليلية، ويتطلب ذلك الوصول إلى البحوث في المجلات العالمية المتخصصة عبر الإنترنت"، مبينًا أن "الطالب يبحث عن موضوعه ويتوسع فيه عبر حلقات بحثية وتواصل وتعاون مع زملائه عبر الشبكة العالمية الإنترنت".

أثّر قرار قطع الإنترنت على عمل أساتذة وتدريسيي الجامعات في تدقيق البحوث أيضًا، يقول الدكتور طريف، إن " الجامعة تحاسب طالب الدراسات والأستاذ على موضوع الاستلال والذي يتطلب أيضًا التدقيق في الأفكار أو النصوص المتشابهة مع بحوث سابقة أخرى منشورة على الإنترنت كأحد شروط قبول أي بحث في وزارة التعليم العالي المتطلبة، ناهيك عن البحوث العلمية المفروضة على الأستاذ والتي لا يمكن إجراؤها إطلاقًا بلا إنترنت، خاصة في مجال عملي وهو علوم الحاسبات".

كان طلبة الجامعات، وخاصة طلبة الدراسات العليا من المتضررين من قطع الإنترنت حيث عزلهم عن مواقع البحوث والمصادر التي يحتاجونها في إنجاز أعمالهم

أحمد مختار، وهو طالب ماجستير في جامعة البصرة، قال في حديثٍ لـ"ألترا عراق"، إن "دراستي تعتمد كليًا على الإنترنت، مضيفًا "اضطررت للذهاب لمنزل أقربائي الذين هم على مقربة من الحدود الإيرانية، ولكوني امتلك رقم هاتف إيراني حصلت على الإنترنت، اتصلت بصديق لي في طهران وقام بتعبة رقمي بالرصيد واشتركت"، مشيرًا إلى أن "هذا امر أفرحني وأحزنني وأشعرني بالغضب، فرحت لأنني حصلت على إنترنت وحزنت وغضبت لأنني في وطني ولم أحصل على الإنترنت إلا من بلد آخر".

اقرأ/ي أيضًا: عفوية احتجاجات 2019.. قواعد سياسية جديدة

مخاطر في الإنترنت الجزئي وحظر مواقع التواصل الاجتماعي

قطع الإنترنت الجزئي وحظر وسائل التواصل الاجتماعي دفع العراقيين لإستخدام (VPN) (الشبكة الشخصية الافتراضية) لكسر الحظر، ولكن الـ (VPN) يحمل الكثير من المخاطر لمستخدميه، وهو ما لفت إليه حسين مهدي، الخبير في أمن الشبكات في حديثه لـ"ألترا عراق"، قائلًا، إن "الخطورة تكمن في أن بعض التطبيقات توفر الـ (VPN) بدون تشفير للبيانات التي تنتقل بين المستخدم وبين الطرف الآخر، وهذا يؤدي بالتأكيد إلى سهولة التجسس وسرقة المعلومات، والأرقام السرية، والبطاقات المصرفية وغيرها"، مضيفًا أن "البعض من الشعب العراقي لا يمتلك ثقافة إلكترونية كافية، والحكومة بحظرها للإنترنت تعرض بيانات العراقيين لخطر السرقة والابتزاز، لأن بعض البرامج تمتلك الصلاحيات للوصول إلى الملفات الشخصية".

يكمن الحل بحسب رأي حسين مهدي في "استخدام خدمات (VPN) غير مجانية والتي تتوفر بمبلغ لا يتجاوز 15 ألف دينار عراقي".

خسائر الاقتصاد العراقي

نتيجة قرار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، خسر العراق ما يقدر بحوالي مليار دولار أي ما يعادل ٠.٥٪؜ من الناتج المحلي للبلد، بحسب تقرير نشرته منظمة (نيت بلوكس) المختصة بمراقبة اضطرابات الإنترنت العالمية، والتي أشارت في تقريرها إلى أن "اقتصاد العراق يخسر 10 مليون دولار يوميًا بسبب حظر وسائل التواصل الاجتماعي وخدمات الجيل الثالث".

ماذا يقول الدستور العراقي؟

تُعد خدمات الإنترنت خدمات غير مملوكة لشخص ما، وليس بإمكان شخص ما حظرها، وهو ما أوضحه مسؤول رفيع المستوى في مفوضية حقوق الإنسان العراقيّة، حيث قال لـ"ألترا عراق"، رافضًا الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن "الإنترنت لا يمتلكه شخص، ولا يستطيع أحد حظره لأنه حق أصيل من حقوق الإنسان ويدخل البيوت بدون طرق الأبواب وبدون قيود"، مبينًا أن "وضع القيود على وسائل الإعلام كالقنوات وغيرها، هو أمر غير قانوني ويخالف مبادئ حقوق الإنسان، فكيف الحال بقطع الإنترنت"، مشيرًا إلى أن "القرار غير دستوري ومن اتخذ هذا القرار خالف الدستور، ومن يخالف الدستور لا يصلح أن يحكم الناس".

منع الدستور العراقيّ قطع خدمة الإنترنت بصورة واضحة لا تحتاج إلى التأويل، ولم يُعطي لأحد أبدًا أن يتخذ قرارًا بقطع الإنترنت بما فيها السلطة القضائية، المحامي علاء المانع قال في حديثٍ لـ"ألترا عراق"، إن "الدستور العراقي قال بالنص الصريح في المادة 40 أنه لا أحد يمتلك السلطة في قطع الإنترنت في العراق، وأن حرية الوصول للإنترنت مكفولة، ولا يمكن للسلطة التنفيذية ولا التشريعة ولا القضائية اتخاذ قرار بمنعها"، لافتًا إلى أن "رئيس الوزراء ارتكب مخالفة دستورية واضحة ويجب أن يحاسب عليها، ثم أن رئيس الجمهورية يجب أن يتحرك بوصفه حاميًا للدستور".

وحول إمكانية تعويض المتضررين، قال المانع، إن "الحكومة ملزمة بتعويض المتضررين فيما إذا رفعوا دعاوى قضائية ضد رئيس الوزراء".

قانوني: رئيس الوزراء ارتكب مخالفة دستورية واضحة في قطع الإنترنت ويجب أن يحاسب عليها، ثم أن رئيس الجمهورية يجب أن يتحرك بوصفه حاميًا للدستور

ويرى مختصون أن قرار قطع الإنترنت لا يجب أن يكون بحسب مزاج رئيس الوزراء أو مسؤول ما، فيما إذا تكرر مستقبلًا سيكرر خسارات الاقتصاد العراقيّ كما خسر اقتصاد العراقيين خلال قطع الإنترنت أيام ولاية رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، وهو الأمر الذي تظن الحكومة أنه من الوسائل الوحيدة في مواجهة المتظاهرين وتفريقهم، بالرغم من أن المحتجين استمروا في التظاهر بعد قطع الإنترنت، كما رأى متابعون أن حجب الإنترنت دلالة على أن الديمقراطية في العراق أمر لن يلتفت إليه إلا في الأحاديث الرسمية والتليفزيونية. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

شباب العراق يعزلون عزلته

"لا علمانية ولا دينية".. عراقية هويتها الحقوق!